قصائد شعرية وأدبمقالات ووجهات نظر

آداب الحب

آداب الحب

آداب الحب

بقلم.. محمد شكري 

في زمن أختلطت فيه المشاعر، وتداعت فيه القيم وتشوهت فيه المفاهيم السامية للحب، وبات الكثيرون يظنون أن الخفقات العابرة أو النزوات الخاطفة هي الحب بمعناه،

أجدني مدفوعًا للكتابة عن آداب الحب وقيمه الرفيعة التي لا يملك الحب السامي أن يخالفها، ومِداد قلمي يستبقني نحو تلك الغاية المنشودة… وأعني به هنا ذلك الحب الذي يتجرد من الشهوات ليتحلى بالروح، ويتخلص من النزق ليُتوج بالإجلال.

 إن الحب ـــ في صميمه ـــ ليس ذلك اللهاث المحموم خلف جسد، ولا تلك الرعشة المؤقتة التي تخفت بمجرد الاقتراب. الحب الحقيقي هو ذلك الشوق الذي يُولد من رحم البعد،

وتلك الهالة المقدسة التي تحيط بالمعشوق فتجعل منه قبلة للروح لا متعة للحواس. ولقد عرف أسلافنا، فيما مضى، ألوانًا سامية وأشكالًا راقية للحب،

تؤصل معانيه الخالدة وما يتصل بها من دلالات تسمو بالنفس البشرية، وتنشد الجمال، مثل الحب الأفلاطوني، أو ما سماه العرب “الحب العذري”، الذي ليس هروبًا من الواقع، وإنما ارتقاء به، وليس إنكارًا للجسد، وإنما إعلاء لقيمة الإنسان ككيان متكامل.

حين تحدث أفلاطون عن الحب في محاورته الشهيرة “المأدبة”، لم يكن يتحدث عن حرمان أو كبت، بل كان يرسم معالم طريق للخلاص. الحب عنده هو السلم الذي يصعد عليه الإنسان من جمال الجسد إلى جمال النفس، ثم إلى جمال الأفكار، وأخيراً إلى الجمال المطلق. إنها رحلة ترتقي فيها المشاعر من الحسي إلى المعنوي، ومن الزائل إلى الأبدي.

 وعلى ضفاف الوادي المقدس، كان عذريو العرب ينسجون من البعد أجمل القصائد، ومن الحرمان أخلد الحكايات: قيس وليلى، جميل وبثينة، كثير وعزة… لم يكونوا مجرد عشاق، بل كانوا فلاسفة وجدانيين أسسوا لمذهب قويم في الحب قوامه الصون والعفة والوفاء والإجلال. كانوا يرون في الحب غاية تهذيب للنفس، لا غاية تملك للجسد.

آداب العاشقين

 من هؤلاء وهؤلاء، نستخلص آدابًا للحب تليق بالإنسان الساعي إلى معان سامية ومشاعر خالدة:

أدب النظر: ليست كل النظرات سامية. هناك نظرة الإجلال التي يرى فيها العاشق مرآة لجمال الخلق، ونظرة التأمل التي يقرأ فيها آيات الإبداع. أما عن نظرة الشهوة الخاطفة، فذلك ما يخفض من قيمة النظرة ويحيلها إلى مجرد نزق نازق. إن العاشق الأصيل ينظر إلى محبوبته كما ينظر إلى لوحة فنية أو قصيدة شعر، بكل حواسه لا بحاسة البصر فقط.

أدب البعد والقرب: العذريون أدركوا سرًا من أسرار الحب، هو أن البعد ليس دائمًا فراقًا، بل قد يكون أقرب صورة من صور القرب. حين يكون الحبيب بعيدًا عن الناظرين، يصبح أقرب ما يكون إلى الروح. يتسع في الخيال، يتشكل في الوجدان، يتحول من كيان مادي محدود إلى فكرة لا متناهية. أما القرب الجسدي المفرط، فقد يفضي إلى ألفة تقتل الدهشة، واعتياد يمحو الهيبة.

أدب الكلام والصمت: ليس كل ما في القلب يُقال! إن في الحب أسرارًا لا تبوح بها الشفاه، ومشاعر تعجز عنها اللغة. إن العاشق الحقيقي يعرف متى يتكلم ومتى يصمت. صمته ليس عجزًا، بل هو اعتراف بأن بعض المعاني أكبر وأسمى من أن تحتويها الكلمات. وكلامه ليس ثرثرة، بل هو إنشاد للروح.

أدب العطاء بلا مقابل: آفة الحب المعاصر أنه تحول إلى صفقة: أعطيك لتعطيني! أما الحب العذري فعطاؤه كعطاء الغيث، يهطل بلا انتظار أو مقابل. الفرح بفرح الحبيب، والاهتمام به من أجله هو لا من أجلك. حين تصل إلى هذه المرتبة، تكون قد ارتقيت بالحب من دائرة الأنا إلى فضاء الوجود.

أدب التقديس بلا تأليه: العاشق الأصيل يرى في محبوبته إنسانة لها هفواتها وضعفاتها، لكنه مع ذلك يرفعها إلى مرتبة تليق بها. التقديس هنا ليس إنكارًا للبشرية، بل هو اكتشاف للجمال المطلق الساكن في كل إنسان منا. إنه كمن يرى القمر في ليلة اكتماله، يعرف أنه مجرد جرم صخري، لكنه مع ذلك يبهره جماله.

آفات الحب المعاصر

لا يمكن الحديث عن آداب الحب دون تفسير لما آل إليه حال الكثيرين ممن يظنون أنهم عشاق العصر! لقد تحول الحب في زماننا إلى سلعة استهلاكية سريعة التلف…

كلمة “أحبك” فقدت رونقها وأضحت تُقال بلا تروٍ أو هوادة أو شعور، وتُنسى في الحال بلا أسف أو كسف…!! العلاقات الآن تبدأ بصورة شخصية على شاشة، وتنتهي بعدئذ في لمح البصر!! 

 الفضاء الرقمي خلق وهمًا بالتواصل العميق، بينما هو في الغالب مجرد سطح عائم من الرسائل السريعة والصور الزائفة. اختفى فن الانتظار، ذلك الفن الذي كان يصقل العشاق ويعدهم للقاء الأبد! اختفى فن الكتمان، ذلك الفن الذي كان يحفظ قدسية الحب من تدخلات الفضوليين.

وأخطر آفات هذا العصر هو الخلط بين الحب والتملك. كثيرون يظنون أنهم يحبون، وهم في الحقيقة يريدون فقط أن يمتلكوا… الفارق شاسع: من يمتلك يقيد، ومن يحب يحرر. من يمتلك يخاف الفقد، ومن يحب يفرح بالوجود.

في الحب معالم راقية

إن الحب العذري أو الأفلاطوني ليس دعوة إلى العزلة أو الحرمان، بل هو دعوة إلى أن نتعلم كيف نحب بشكل أعمق وصورة أجمل. إنه غاية سامية لها ما لها من معالم راقية تتطلب جهدًا وصبرًا كبيرين، لفهمها وسبر أغوارها حتى يتسنى لمتأمليها كتابة أجمل قصائد في الوجود.

 في محراب تلك المعالم السامية للحب نتعلم:

أن نرى الجمال حيث لا يراه الآخرون.

أن نصبر على ألم البعد من أجل حلاوة اللقاء.

أن نعطي بلا حساب، وننتظر بلا ضجر.

أن نقدس بلا تأليه، ونحب بلا تملك.

أن نحول الألم إلى إبداع، والفراق إلى لقاء متواصل في عالم الروح.

رسالة إلى عشاق اليوم

 أيها العشاق، لا تستعجلوا الوصول، فمتعة الحب تكمن في الطريق إليه. لا تختزلوا من تحبون في جسد، فمن تحبون أكبر من أن يحتويه جسد. لا تجعلوا من الحب ساحة معركة لإثبات الذات، بل اجعلوه فضاءً لا متناهيًا لاكتشاف الذات والسمو بالمشاعر والتسامي بالقلوب.

  تعلموا آداب الحب كما تتعلمون آداب الحديث أو آداب المائدة. فالحب ليس فوضى مشاعر، بل هو نظام دقيق لمن استطاع أن يفهمه. ولتعلموا أن الحب الحقيقي لا ينتهي بانتهاء العلاقة، بل يتحول إلى ذكرى تدفئ الأيام الباردة، أو إلى حكمة تنير الدروب المظلمة.

 واعلموا أن الحب الأفلاطوني ليس حلمًا طوباويًا، بل هو سجية كامنة ومتأصلة في كل نفس بشرية. فقط علينا أن ننظف مرآة قلوبنا من صدأ الأنانية والتملك والاستعجال، حتى نرى فيها صورة الجمال الأبدي الذي لا يزول.

هكذا يكون الحب، بمعناه الحقيقي، أدبًا قبل أن يكون شعورًا، وروحًا قبل أن يكون جسدًا، وقدسية قبل أن يكون علاقة. هكذا يكون الحب، سموًا بالإنسان إلى مرتبة تليق به.

آداب الحب


اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

احمد حمدي

نائب رئيس مجلس الإدارة والمدير العام التنفيذي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading