قصائد شعرية وأدب

الجمال

بقلم : بسنت صلاح عباس 

الجمال

الجمال

هو ذاك الوقتُ المخلوس من زحامِ العمل، وصخبِ البشر، وضيقِ المكان؛

لترتشفَ بنهمٍ رشفةً من كأسِ السلام،

أو غرفةً من قدحِ الخيال.

هو الوطنُ في حدودِ ربّتةِ كفٍّ على كتفِ غُربةِ الحنين.

هو فتنةُ الثوبِ العتيق، والحكمةُ الضائعةُ في قلبِ كتاب.

هو العائلة، وامتدادُها المنزوعُ من حبٍّ رغيد.

هو دعوةٌ تهمسُ في أذنِ الأرض،

فينشدُها فمُ السماء.

هو الانغماسُ في تفاصيلك.

هو اقتباسٌ غيرُ متوقَّعٍ من ثرثرتك.

هو رمّشةٌ ترفرفُ من عينيك، فتكنسُ غبارَ الوحشة.

هو خُصلةٌ تتدلّى أمامَ عينيك، فتشاغبُ وصلَ النظرة.

هو بسمةٌ ترتسمُ على شفتيك، فتُبدِعُ وجهَ البهجة.

هو… أنت.

وأنتَ حين تمرّ على الأشياء، لا تمرّ بها كما يفعل العابرون؛

بل تترك فيها أثرَ ظلٍّ دافئ،

كأنك تعلّم الجدران معنى الطمأنينة،

وتلقّن الطرقات درسًا في الرفق.

أنتَ ذلك التفصيل الصغير

الذي ينجو من ازدحام المعنى،

فينقذ يومًا كاملًا من السقوط في العادة،

ويعيد للحظةٍ عابرة حقّها في أن تُحَبّ.

الجمال أن تجلس مع نفسك بلا خوف،

أن تصافح ضعفك دون أن تحتقره،

أن تمنح قلبك حقَّه في التعب،

وحقَّه في الراحة،

وحقَّه في أن يحلم،

ولو على استحياء.

هو أن تعترف أنك لست كاملًا،

وأن النقص بعض إنسانيتك،

وأن الكسور الصغيرة

هي التي تسمح للنور أن يدخل.

الجمال أن تتعلّم كيف تضع حدودًا لوجعك،

كيف تسحب روحك من معارك لا تشبهك،

كيف تقول “كفى”

حين يبالغ العالم في الامتحان.

هو أن تصغي لما لا يُقال،

أن تفهم الصمت حين يطيل النظر فيك،

أن تدرك أن بعض الأوجاع

لا تُشفى… بل تُروَّض،

ولا تُمحى… بل نتعلّم كيف نحيا معها

دون أن تحكم علينا بالإقامة الدائمة في الحزن.

هو أن تحبّ دون ضجيج،

وأن تشتاق دون شكوى،

وأن تعطي لأن العطاء يشبهك،

لا لأنك تنتظر المقابل.

أن تكون كريم القلب

حتى حين يبخل عليك العالم بالعدل.

الجمال ليس في اكتمال الأشياء،

بل في صدقها.

ليس في لمعان اللحظة،

بل في قدرتها على البقاء

في الذاكرة حين تخفت الأضواء،

وتنتهي الحكايات السريعة.

هو في التفاصيل التي لا ينتبه لها أحد:

في فنجان قهوة نجا من البرودة،

في رسالة قديمة لم تُحذف،

في دعاءٍ خرج من القلب مصادفة،

فأنقذك دون أن تدري.

هو في الذين يشبهونك قليلًا،

ويفهمونك كثيرًا،

ويتركون في روحك

مساحةً آمنةً للبوح،

ومقعدًا ثابتًا للراحة.

الجمال أن تعرف متى ترحل،

ومتى تبقى،

ومتى تصمت احترامًا لنفسك،

ومتى تتكلم دفاعًا عنها.

أن تختار السلام

حتى لو خسرت بعض المعارك،

وأن تربح نفسك

ولو خسرت بعض الناس.

هو أن تكون إنسانًا

في زمنٍ يدرّب الناس

كيف يكونون أقل رحمة،

وأقل صبرًا،

وأقل وفاءً لما كانوا عليه يومًا.

هو أن تظلّ،

رغم كل ما كُسر فيك،

قادرًا على أن تقول للحياة:

ما زلتُ أستحقك،

وما زلتُ أبحث فيك عن معنى

يستحق أن يُعاش.

هو… أنت،

حين تختار أن تكون جميلًا،

لا لأن الدنيا جميلة،

بل لأن قلبك قرر

ألا يشبه قسوتها.

 

الجمال

اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading