الخطأ القاتل في الحرب الإيرانية
بقلم د. أحمد الجرف
مقالى السابق بعنوان ماذا بعد فينزويلا فى الخامس من يناير الماضى تحدثت عن أن بوصلة الحرب تتجه بقوة إلى الحرب مع إيران فى محاول جديدة للسيطرة على أخر مصدر للطاقة فى الشرق وفى محاولة لشل التنين الصينى وحرمانه من مصدر أخر من مصادر الطاقة بعد فينزويلا . فى الحقيقة أن إيران الحالية هى صناعة غربية من الطراز الرفيع نشأت فى كنف الغرب الذى أعد وجهز زعيمها فى فرنسا (الخمينى ) عام 1979.. حيث دخل الخميني الأراضي الفرنسية بتأشيرة سياحية مدتها 90 يوماً فقط، لكنها مُدِّدت إلى 118، يوماً عاد بعدها إلى إيران ليؤسس نظاماً جديداً، وكان لهذه الأيام دور رئيسي في الثورة الإيرانية .. لم يكن يروِّج للإسلام في باريس، بل روّج لقيادة الحركة الثورية ضد حكم الشاه، وتركّز كلامه بشكل أكبر على حرية البيان ومجابهة الدكتاتورية واحترام حقوق الإنسان أكثر من الحديث عن الإسلام.. كان كل من “إبراهيم يزدي” و”أبي الحسن بني صدر” و”صادق قطب زاده” يتحكمون بخطابات الخميني ليقدّموا للعالم الصورة التي يريدونها، صورة قائد ثوري لشخصية بين غاندي وتشي جيفارا.. دون مبالغة لو لم يصل الخميني إلى باريس لربما لم تتشكل الجمهورية الإسلامية على الصورة التي تشكلت عليها قطُّ، فمن باريس تسنى له أن يُصبح شخصية عالمية على وسائل الإعلام، ومنها عبرت شهرته الآفاق حتى رأوا صورته بين أحرار العالم ، ومنها تمكّن من لقاء صحافيين ومعارضين إيرانيين وشخصيات مثل “رمزي كلارك” وزير العدل في عهد “ليندون ب. جونسون” والمبعوث الخاص لـ “جيمي كارتر” الرئيس الأميركي وقتها.. قدم الرجل نفسه إلى الغرب كرجل حر يتفهم مخاوف الغرب من قيام العالم الإسلامى ويدرك معنى حرية الشعوب على الطراز الغربي عبر لقاءات ومؤتمرات طمأنت الغرب على أن حليفهم الجديد يحمل كافة الصفات المطلوبة للمرحلة الجديدة فى الشرق الأوسط.. كان الرجل يحمل مواصفات خاصة تمهد الطريق للوصول الى نفط العرب ودعم اسرائيل وأيضا يستطيع بشعبيته الزائفة أن يؤسس لكيان يقلق منه الجميع يحمل فى ظاهرة المدافع عن الاسلام فيدغدغ الشعوب الاسلامية ويصدر ثورة إسلامية زائفة الى بلاد تفتقر للحرية والديمقراطية .. غير أن المتتبع لمسيرة الخمينى يدرك أن الرجل بدأ سريعا فى تنفيذ الخطة المرسومه . كانت المنطقة العربية وإيران نفسها قبل الخمينى تنعم بهدوء نسبي وبدأت الدول العربية تشعر ببعض الانتعاش المادى من عائدات البترول وظهرت نهضة عربية تمثلت فى قيام وتأسيس دولا عربية تظهر فيها مناحى البناء الجاد .. من هنا جاء الهاجس الغربي ما هو توجه تلك الدول التى أصبحت حرة من أى استعمار وأيضاً غنية ؟ تلك الدول التى ستتحكم فى النهضة الغربية ربما لقرن قادم وفق تقديرهم لما تملكه من مصادر الطاقة .. ذاد من تلك المخاوف ظهور قامات ودعوات للتحرر بل وإتجهت بعض من تلك الدول إلى سباق التسلح بعد الحرب الاخيرة بين مصر وإسرائيل عام 1973 . والتى برهنت أن العرب لو أتحدوا ستكون منهم قوة لا تقهر وأيضاً تملك الطاقة . هنا برز السؤال الاكبر ماذا لو تمكن العرب من الاتحاد وتكوين قوى عربية تحمى مصدر الطاقة فى العالم ؟ الاجابة سيقع العالم تحت سيطرة ونفوذ العرب وستخضع الامبراطوريات والدول العظمى بل ربما لن تصبح هناك إمبراطوريات الا من خلال تذكية تلك الدول المتحكمة فى أكثر من نفط العالم .. جاء الخمينى كحل سحرى لتلك المعضلات بادر الرجل فى العام التالى لوصوله فى الحرب على العراق لمدة ثمانى سنوات أنهكت أكبر قوة عسكرية فى المنطقة ومهدت الطريق للتدخل الغربي المباشر لتقلب المعادلة من دول عربية قادرة على التحكم فى طاقة العالم الى دول تستجدى تدخل الغرب وتشترى منه السلاح لتحارب بعضها البعض بل وتطلب الحماية وبناء القواعد العسكرية فى أراضيها طلباً لنجدتها من إيران . خلال تلك الحرب كان الخمينى صديقاً للغرب فى السر وخصيماً لهم فى العلن أفعاله لا تعكس أى من أقواله .. سلم الرجل الراية لخامنئى الذى صار على نفس الدرب بل وسمحت له الدول الغربية بإمتداد أزرع له فى لبنان وسوريا وفلسطين واليمن تحت مسميات مختلفة بغرض زيادة القلق عند تلك الدول لتسارع فى طلب الحماية ولشيطنة إيران وإظهارها بأنها دولة تستطيع أن تبتلع المنطقة بأكملها.. غير أن مربي الذئب لا يأمن شره . كان الغرب يعلم متى يستخدم إيران ومتى يوقفها عبر قنوات اتصال مباشرة .. بعد تواجد الغرب فى صورة قواعد عسكرية وأساطيل فى الدول النفطية إنحسر دور إيران فى إخافة الدول الخليجية لتدفع للغرب نظير الحماية.. حتى جاءت الادارة الحالية الامريكية فبدأت عهداً جديداً فى الجباية المباشرة هنا أنتهى دور إيران فى المنطقة .صارت كارت محروقاً وعبئاً على الغرب . فى هذه الاثناء عمدت الدولة اللقيطة فى المنطقة الى تقديم نفسها كبديل لإيران فى تحقيق مصالح مشتركة وأوهمت الغرب بأن هناك مصيراً عقائديا يجمعهم لعودة المسيح بعدد من الاجراءات التى تمكن لظهوره من خلال تمكين اليهود . إستقرت قيادة العالم مؤخراً على قيام تلك الدولة اللقيطة بقيادة المنطقة و من هنا بدأت أمريكا والغرب التمهيد لها للقيام بهذا الامر . تم أولاً سحب سيوله نقدية كبيرة من الدول العربية لتمويل تلك الحرب عبر زيارة ترامب الاخيرة للمنطقة . بعدها مباشرة بدأت حرب غزة ثم سوريا ثم لبنان والان إيران . النتيجة المتوقعه تمهيد الارض لوراثة الدور الايرانى بتلك الدولة اللقيطة من حيث إخضاع العرب والسيطرة على واردات الطاقة والتحدث بإسم المنطقة . غير أن الدور الاخير الذى تلعبه إيران هى إشعال المنطقة بعد إحساسها بالغدر من حلفائها الغربيين و إغتيال القادة فى إيران . عمدت إيرن إلى ضرب الدول الخليجية وتوسيع نطاق الحرب ظناً منها أن التاثير على واردات الطاقة سيعجل بإنهاء الحرب . الحقيقة عكس ذلك تماماً الهدف الحقيقى هو إضعاف الدول الخليجية أيضاً مع ايران فى نفس الحرب عبر إشتراكها وإفراغ قدراتها العسكرية فى الحرب . فى النهاية سترضخ إيران وينتهى نظامها وأيضاً لو إنجرفت الدول العربية فى تلك الحرب ستنتهى قوتها المسلحة وفى النهاية ستتسلم تلك الدولة اللقيطة المنطقة على طبق من ذهب . وستتحكم تلك اللقيطة فى مقادير الامور وفى الطاقة وفى القرار وستكون صاحبة الحل والعقد . لكن الغرب أيضاً يخشى تضخم تلك اللقيطة وأن تخرج عن السيطرة من هنا جاء التوازن الاستراتيجى بوجود مصر وتركيا كدول قوية ومنافسة تحقق ذلك التوازن . إن العرب أمامهم فرصة أخيرة لكى يصمدوا وذلك من خلال عدم الانجراف فى تلك الحرب وأن يكونوا حلفاً الان و الان فقط غداً قد لا يكون للحلف معنى مؤثر مع القوى الفاعلة فى المنطقة مصر والسعودية وتركيا فهم رمانه ميزان القوى فى الشرق . هنا فقط قد يصمد العالم العربي لفترة أطول بعد إنسحاب امريكا من المنطقة وتسليم راية السيطرة الى اللقيطة بينما قد تسعى تلك الدولة اللقيطة الى جر مصر والسعودية وتركيا للحرب فى محاولة منها للتفرد فى المنطقة . إن النصر الحقيقي الان هو الخروج سالماً من تلك المعركة دون التورط فيها مهما كان الثمن . حفظ الله مصر من كل شر وسوء
الخطأ القاتل في الحرب الإيرانية
اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

