
السلام النفسي عندما يصبح الهدوء الداخلي سلاحًا في مواجهة الضغوط
السلام النفسي عندما يصبح الهدوء الداخلي سلاحًا في مواجهة الضغوط في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتزاحم فيه المسؤوليات،
لم يعد الحديث عن السلام النفسي مجرد طرحٍ إنشائي أو رفاهية فكرية، بل أصبح ضرورة إنسانية تمس حياة الملايين.
فمع ارتفاع وتيرة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتضخم سيل الأخبار اليومية، صار الإنسان في مواجهة مفتوحة مع القلق والتوتر،
ما يجعل البحث عن حالة من الطمأنينة الداخلية أولوية لا تقل أهمية عن السعي للنجاح المادي.
السلام النفسي لا يعني غياب الأزمات، بل القدرة على إدارتها دون أن تُربك اتزانك الداخلي.
هو أن تواجه التحديات بثبات، لا بإنكار الواقع، وأن تتعامل مع المشكلات بعقلٍ هادئ لا بقلبٍ مضطرب.
نموذج الموظف تحت الضغط
خذ على سبيل المثال موظفًا يعمل لساعات طويلة في بيئة عمل تنافسية. تتراكم المهام، وتزداد التوقعات،
وربما يتعرض لانتقادات مستمرة. هنا يبرز الفرق بين شخص يفتقد السلام النفسي فيعيش في دوامة غضب وتوتر دائمين،
وآخر يدير ضغطه بوعي؛ ينظم أولوياته، يفصل بين حياته المهنية والخاصة، ويمنح نفسه فترات راحة قصيرة تعيد إليه توازنه.
النتيجة لا تنعكس فقط على حالته النفسية، بل على مستوى إنتاجيته وجودة أدائه.
بين المقارنة والرضا
وفي مثال آخر، شاب يتابع يوميًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي صور النجاحات السريعة والثروات الفورية.
إذا غاب السلام النفسي، تتحول المقارنة إلى مصدر إحباط دائم. أما إذا حضر،
فإنه يدرك أن لكل إنسان مساره المختلف، فيركز على تطوير ذاته بدل الانشغال بإنجازات الآخرين.
الأسرة كحاضنة للطمأنينة
داخل الأسرة أيضًا، قد تنشأ خلافات يومية طبيعية. لكن وجود وعي نفسي لدى أحد الأطراف
كفيل بتحويل مسار الموقف بالكامل. كلمة هادئة بدل ردٍ قاسٍ،
وتفهم بدل تصعيد، يمكن أن يحمي علاقة كاملة من التصدع.
هكذا يصبح السلام النفسي قوة تُهدئ ولا تُضعِف.
لماذا نفتقد السلام النفسي؟
يرى مختصون في علم النفس أن أحد أبرز أسباب التوتر المعاصر هو تضخم سقف التوقعات،
سواء من الذات أو من الآخرين. كما أن الثقافة السائدة التي تربط القيمة الإنسانية بحجم الإنجاز فقط،
تُغفل أهمية الراحة النفسية كعنصر أساسي للاستدامة.
كذلك، الإفراط في التعرض للأخبار السلبية والأزمات المتلاحقة
دون فترات انفصال رقمية يزيد من معدلات القلق، ويُبقي الإنسان في حالة استنفار دائم.
خطوات عملية نحو الطمأنينة
الوصول إلى السلام النفسي ليس أمرًا نظريًا، بل ممارسة يومية، تبدأ بـ:
ترتيب الأولويات وفق الأهم لا وفق الأكثر إلحاحًا فقط.
تخصيص وقت يومي للهدوء بعيدًا عن الشاشات.
اختيار دوائر اجتماعية داعمة تعزز الطاقة الإيجابية.
التصالح مع الأخطاء باعتبارها جزءًا من التجربة الإنسانية.
تعزيز الجانب الروحي لما له من أثر مباشر في تثبيت المشاعر وتهدئة القلق.
السلام النفسي قوة لا تُرى… لكنها تُغيّر كل شيء
الإنسان الهادئ داخليًا ليس أقل طموحًا،
بل أكثر اتزانًا. وهو ليس بعيدًا عن الواقع،
بل أكثر قدرة على رؤيته بوضوح. فالهدوء الداخلي يمنح صاحبه قدرة
أفضل على اتخاذ القرار، وإدارة الأزمات، وبناء علاقات مستقرة.
وفي نهاية المطاف، قد لا نستطيع التحكم في كل ما يحدث حولنا،
لكننا نستطيع أن نختار كيف نستقبل ما يحدث بداخلنا.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للسلام النفسي ليس كحالة عابرة،
بل كنمط حياة يمنح الإنسان قوة هادئة وثباتًا طويل الأمد.
اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

