
تركتك لعدل الله فانتظر حكمه
تركتك لعدل الله فانتظر حكمه ليس كل الألم الذي يعيشه المظلوم سببه الظلم ذاته،
فكثيرًا ما يكون الألم الأعمق نابعًا من المقارنة الصامتة التي تدور في داخله:
لماذا أتألم أنا، بينما يبدو الظالم بخير؟
لماذا تتعقّد حياتي، وكأن الدنيا تفتح أبوابها له؟
من الناحية النفسية هذا الشعور مفهوم.
العقل البشري يبحث دائمًا عن الاتزان والعدل،وحين يرى خللًا واضحًا بين الفعل والنتيجة،
يبدأ القلق، ويتسلل الشك، ويظهر سؤال لا يُقال غالبًا بصوتٍ عالٍ:
أين العدل؟
لكن الخطورة هنا ليست في السؤال،
بل في الاستسلام لما يجرّه من أفكار:
الإحباط فقدان الأمان، والغضب المكبوت.
العدل الإلهي لا يعمل بمنطق السرعة،
ولا يُقاس بالمشهد اللحظي.
فما يبدو للعين رفعة قد يكون استدراجًا،
وما يبدو للقلب تأخيرًا قد يكون رحمة أو حماية.
قال الله تعالى:
﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾
نفسيًا، الانشغال بمراقبة الظالم يُبقي الجرح مفتوحًا.
كل خبر عنه كل مقارنة كل انتظار لسقوطه،
يعيد الألم من جديد ويمنع التعافي.
السلام النفسي لا يبدأ حين يُعاقَب الظالم،
بل حين يتوقف المظلوم عن ربط شفائه بما يحدث لغيره.
حين يوجّه طاقته إلى نفسه،
ويقول بصدق داخلي:
حسبي الله ونِعم الوكيل
لا كجملة تُقال بل كحالة يقين.
التعافي بعد الظلم
التعافي النفسي لا يعني نسيان ما حدث،ولا إنكار الألم،
بل يعني استعادة السيطرة على الحياة بعد أن سُلبت قسرًا.
هو أن يسمح الإنسان لنفسه بالحزن دون جلد،
وبالغضب دون تدمير،
ثم يبدأ تدريجيًا في إعادة بناء إحساسه بالأمان.
في العلاج النفسي، نرى أن أول خطوات التعافي هي
فصل الذات عن التجربة؛
أنت لست ما حدث لك،
والظلم الذي تعرّضت له لا يعرّف قيمتك ولا مستقبلك.
التعافي أيضًا يتطلب التوقف عن إعادة تمثيل الظلم داخل العقل،
باجترار الأحداث أو مراقبة الظالم،
واستبدال ذلك بخطوات صغيرة نحو الحياة:
الاهتمام بالجسد،
تنظيم النوم،
التعبير عن المشاعر بطرق آمنة،
وطلب الدعم حين يلزم.
ومع الوقت،
يتحوّل الألم من جرحٍ مفتوح
إلى أثرٍ باقٍ لا يؤلم،
ويستعيد الإنسان قدرته على الثقة،
لا في البشر دائمًا،
لكن في نفسه، وفي عدل الله.
قال الله تعالى في الحديث القدسي:
وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين
ليس مطلوبًا من المظلوم أن يُنكر ألمه،
ولا أن يتجاوز جرحه سريعًا،
لكن المطلوب ألا يسمح للظلم أن يسرق ما تبقى من روحه.
لكل ظالم نهاية،
ولكل مظلوم جبر،
ومن أوكل أمره إلى الله،
ووجّه قلبه نحو التعافي بدل الانتقام…
فقد بدأ طريق السلام.
اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
