حدّثوا الناس بالأمل

حين قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وأمّا بنعمةِ ربِّك فحدِّث﴾، لم يكن ذلك دعوةً إلى التفاخر، ولا إذنًا بالمراءاة، وإنما كان توجيهًا ربانيًا عميق الحكمة؛ توجيهًا إلى إظهار فضل الله والاعتراف بعطائه، وإلى كسر دائرة الجحود التي قد تتسلل إلى القلوب حين تألف النعمة.
إن الحديث عن النعمة ليس حديثًا عن الذات، بل هو حديث عن المُنعِم. هو شهادة امتنان قبل أن يكون سردًا للمنجزات، وإقرارٌ بالفضل قبل أن يكون وصفًا للعطاء. وحين يرى الناس أثر نعمة الله عليك، ويسمعون شكرها بلسانك، ويتلمسون حضورها في سلوكك، فإنهم يُدعون — دون وعظٍ مباشر — إلى سلوك طريق الخير، وإلى الثقة بأن العطاء الإلهي حق، وأن الفضل لا ينقطع.
ولذلك لم يكن عجيبًا أن يمدح الله في القرآن أولئك الذين ينفقون أموالهم سرًّا وعلانية؛ فالسرّ يحفظ الإخلاص، والعلانية تُحيي الأمل. كلاهما صدقة، وكلاهما خير، ولكل مقامٍ مقاله. فالخير إذا كُتم أحيانًا حمى القلوب من الرياء، وإذا أُعلن أحيانًا بعث في النفوس حياة، وذكّر الناس بأن أبواب الفضل ما زالت مفتوحة، وأن الخير لم يغادر العالم كما يُخيَّل للبعض.
نحن اليوم نعيش في عالمٍ أرهقته الشكوى، وتضخمت فيه مساحات السخط، حتى صار التنفّس سلبيةً عادةً يومية. كثرت الأصوات التي تُعدِّد الخسارات، وقلّ من يُذكِّر بالمِنَح. ومع هذا الإرهاق الجماعي، أصبح الإنسان أحوج ما يكون إلى جرعة طاقة إيجابية، لا بوصفها ترفًا نفسيًا، بل حاجةً أساسية، كحاجته إلى الطعام والشراب، بل ربما أشد.
فحدّثوا الناس بالخير، لا تعاليًا، بل شكرًا. وأظهروا نعمة الله عليكم، لا استعراضًا، بل اعترافًا. وعدِّدوا أبواب الفضل، لا إنكارًا للألم، بل توازنًا مع الواقع. فالكلمة الطيبة صدقة، والقدوة الصالحة دعوة، وإحياء الأمل عبادة خفيّة لا تقل أثرًا عن أعظم الأعمال.
حدّثوا الناس بالأمل؛ فالأمل ليس إنكارًا للوجع، بل وعيٌ بأن خلف المشقة لطفًا، ومع العتمة نافذة نور. حدّثوهم بأن الله ما أغلق بابًا إلا وفتح غيره، وما ضيّق طريقًا إلا ليقود إلى سعة أرحب. فالعالم لا يحتاج إلى مزيدٍ من التذمّر، بل إلى من يقول بهدوء العارفين: نعم، كان في الطريق تعب، لكن كان فيه لطف الله أيضًا،
وهذا وحده كفيل بأن يغيّر الكثير.
حدّثوا الناس بالأمل
اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

