
حين يُسرق الجهد وتُهدر العدالة
حين يُسرق الجهد وتُهدر العدالةفي كثير من الأحيان، لا تُقاس النجاحات بميزان العدل، خاصة حين يتحول بعض الطامحين إلى محترفي صعودٍ على أكتاف غيرهم، مستندين إلى مجهود لم يبذلوه، وفكرة لم يولدوها، ونجاح لم يتعبوا في صناعته.
في عالم الإعلام تتكرر صور سرقة الجهد بأشكال مختلفة. فقد نرى صحفيًا شابًا يعد تحقيقًا استقصائيًا متكاملًا، يقضي أيامًا بين مصادره، ويغامر بوقته وسمعته المهنية،
ثم يُفاجأ بأن مادته نُشرت باسم قيادي أو اسمٍ أكثر شهرة داخل المؤسسة، بحجة “التطوير” أو “المراجعة التحريرية”، بينما ضاع اسمه تمامًا.
وفي مشهد آخر مألوف، تُطرح فكرة برنامج أو حملة إعلامية داخل اجتماع، فتُهمل في البداية، ثم يعاد تقديمها لاحقًا على لسان شخص آخر يملك نفوذًا أو قربًا من الإدارة،
لتتحول الفكرة فجأة إلى “إنجاز يُحسب له”، بينما صاحبها الأصلي يُجبر على الصمت كي لا يُتهم بإثارة المشكلات.
كما لا يخلو المشهد من مذيعين أو مؤثرين يبنون محتواهم على اقتباس نصوص كاملة أو أفكار مبتكرة لصحفيين وكتّاب مجهولين، دون إشارة أو تقدير، فيُكافأ صاحب المنصة، ويُهمّش صاحب الفكرة، ويضيع الحق بين الشهرة والسلطة.
في المؤسسات الحكومية والخاصة، تتجلى الظاهرة بصورة لا تقل قسوة. موظف مجتهد يقترح نظامًا جديدًا لتسهيل العمل أو زيادة الإنتاج، ويتولى تنفيذه خطوة بخطوة،
ثم يُفاجأ أثناء التقييم أو الاجتماعات الدورية بأن المدير نسب التطوير لنفسه، وحصد الترقية أو المكافأة، فيما بقي صاحب الجهد في موقعه دون تقدير.
وفي بعض مواقع العمل، يتحمل عمّال أو فنيون عبء الإنجاز الحقيقي في المشروعات، يعملون لساعات إضافية وفي ظروف صعبة، بينما تُسلط الأضواء في النهاية على أشخاص لم يشاركوا إلا بالاسم، أو اكتفوا بالتوقيع والظهور في الصور الرسمية.
الأخطر من ذلك، أن بعض الإدارات تكرّس هذه الممارسات، فتخلق ثقافة الخوف والصمت؛ حيث يخشى الموظف المطالبة بحقه حتى لا يُوصف بأنه “غير متعاون”
أو “مشاكلجي”، فيتعلّم أن الاجتهاد لا يُكافأ، وأن الصعود لا يكون بالكفاءة بل بالقرب من أصحاب النفوذ.
هذه الممارسات لا تقتل الطموح الفردي فحسب، بل تُفسد البنية الأخلاقية للمجتمع المهني بالكامل. حين يُهمّش المجتهد،
ويُكافأ السارق، تذبل الكفاءات، ويهاجر الإبداع، ويتحول العمل إلى مجرد أداء شكلي بلا روح ولا انتماء.
خاتمة
إن حماية حقوق المجهود، في الإعلام أو في أي مجال آخر، ليست رفاهية أخلاقية، بل ركيزة أساسية للعدل والاستقرار والتقدم.
فالمؤسسات التي تبنى على سرقة جهد أفرادها قد تستمر ظاهريًا، لكنها من الداخل تكون هشة، قابلة للسقوط عند أول اختبار حقيقي.
فالنجاح الذي يولد من تعب غير صاحبه، يظل ناقصًا، مهما ارتفعت لافتته، ومهما علا صوته
اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


