
*سوء الظن*… كيف تُفسد فكرةٌ واحدة مسار علاقة كاملة؟

*سوء الظن*… كيف تُفسد فكرةٌ واحدة مسار علاقة كاملة؟
سوء الظن لا يولد فجأة، بل يبدأ كاحتمال صغير، فكرة عابرة تبحث عن تفسير. غير أن المشكلة تبدأ حين يُمنح هذا الاحتمال سلطة اليقين دون بيّنة. عندها يتغيّر معنى الكلمات،
ويُعاد تفسير المواقف، ويصبح الصمت اتهامًا، والانشغال إهمالًا، والاختلاف عداءً مستترًا. هكذا تتحوّل الهواجس إلى قناعات، وتُبنى الأحكام على فراغ.
*الجذر الديني والأخلاقي للمسألة*
حذّر الإسلام بوضوح من هذا المسار النفسي، فجاء في القرآن الكريم: ﴿اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم﴾ (الحجرات: 12).
والنصّ لا يدعو إلى تعطيل العقل أو ترك الحذر، بل يضع حدًا فاصلًا بين التحوّط المشروع وبين الاتهام الذي يفتقر إلى دليل.
كما قال محمد ﷺ: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث».
فالتحذير هنا أخلاقي ونفسي في آنٍ واحد؛ لأن الظن إذا تُرك بلا مراجعة صار رواية داخلية يُصدّقها صاحبها قبل غيره.
*التفسير النفسي: لماذا نُسيء الظن؟*
علم النفس يفسّر الظاهرة عبر ما يُعرف بـ “التحيّز التأكيدي” (Confirmation Bias)، وهو ميل الإنسان إلى البحث عن الأدلة التي تؤكّد اعتقاده المسبق،
وتجاهل ما يخالفه. حين نعتقد أن الآخر يقصد الإساءة، سنجد دائمًا ما “يثبت” ذلك، حتى لو كان تفسيرًا انتقائيًا. وهنا تكمن الخطورة: لسنا نرى الواقع كما هو، بل كما نخافه.
*الكلفة الخفية لسوء الظن*
يُدمّر سوء الظن الثقة، وهي العمود الفقري لأي علاقة. وحين تتآكل الثقة، يُستبدل الحوار بالمراقبة، والتواصل بالتحفّظ، والودّ بالحذر.
والأشدّ أن صاحب الظن نفسه يعيش في توتّر دائم، يراقب التفاصيل، ويقرأ ما بين السطور، ويُحمّل الكلمات ما لا تحتمل. هذه الحالة المستمرة من الترقّب تستنزف الطاقة النفسية وتُحوّل العلاقات إلى ساحات اختبار.
بين الحذر المشروع وسوء الظن
ليس المطلوب أن نكون سذّجًا أو نتجاهل الإشارات الواضحة. فالحذر مهارة عقلية، أما سوء الظن فهو حكم أخلاقي بلا بيّنة.
الحذر يبحث عن الحقيقة، أما الظن السيئ فيبحث عمّا يبرّر مخاوفه.
*كيف نكسر الدائرة؟*
اسأل عن الدليل: هل ما أعتقده حقيقة أم تفسير؟
افتح باب الحوار: سؤال مباشر قد يُنهي سلسلة طويلة من الافتراضات.
راقب أفكارك: هل تميل إلى تفسير المواقف بطريقة سلبية متكررة؟
امنح مساحة للخطأ البشري: ليس كل تقصير خيانة، ولا كل اختلاف رفضًا.
*خاتمة: عدلٌ قبل الحكم*
سوء الظن ليس ضعفًا في الآخر بقدر ما هو خلل في زاوية الرؤية. العلاقات لا تنهار غالبًا بسبب الوقائع، بل بسبب تفسيرها. لذلك نحن بحاجة إلى قدرٍ من العدل الداخلي قبل إصدار الأحكام،
وإلى شجاعة السؤال قبل تبنّي الرواية الأسوأ. فكم من علاقة نجت حين قُدِّم حسن التفسير، وكم من قلب انكسر لأن فكرةً لم تُختبر تحوّلت إلى يقين.

*سوء الظن*… كيف تُفسد فكرةٌ واحدة مسار علاقة كاملة؟
اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


