مقالات ووجهات نظر

من جرائم جزيرة إبستين الخفي إلى عالم إبستين العلني

كتبت د/محاسن عويضه

 من جرائم جزيرة إبستين الخفي إلى عالم إبستين العلني

من جرائم جزيرة إبستين الخفي إلى عالم إبستين العلني ما حدث على جزيرة إبستين لم يكن انحرافاً فردياً ولا جريمة معزولة، بل كان جريمة منظمة شارك فيها أصحاب نفوذ وقرار،

استخدموا المال والسلطة لتحويل الأطفال إلى ضحايا بلا صوت. 

تعذيب، اغتصاب، تحرش، وسادية، وتجارة بآلام البشر، جرت لسنوات تحت حماية سياسية متعمدة.

 من عرف وسكت، ومن دعم ومول، ومن شارك، كلهم شركاء في الجريمة، مهما اختلفت مواقعهم أو ألقابهم.

 وهؤلاء أنفسهم بعقليتهم المجردة من الإنسانية هم من يديرون أو يباركون أو يصمتون عن المجازر حول العالم.

مجازر بورما لم تكن صدفة، ولا نزاعاً داخلياً كما صُورت  بل إبادة ممنهجة صاحبها تمثيل بالضحايا، وحرق للقرى، وتهجير قسري

 نُفذت بذات البرود الذي كان يُمارس خلف الأبواب المغلقة في جزيرة إبستين. 

هناك في الخفاء  كان الطفل يُستباح، وهنا في العلن كانت شعوب كاملة تُسحق

 أما قتل الأطفال في فلسطين، فليس مجرد نتيجة حرب أو أخطاء عسكرية،

بل صورة فاضحة لمشاعر هؤلاء معدومي الإنسانية أنفسهم.

 نفس النظرة التي ترى الطفل بلا قيمة، ونفس القدرة على التجرد من أي إحساس،

هي التي حكمت ما جرى على جزيرة إبستين، وهي التي تحكم مشاهد القتل اليوم. 

الفارق الوحيد أن الجريمة خرجت من الظل إلى الكاميرات وهنا يزول التعجب من كيف لم تهتز لهم مشاعر،

ولا تحرك ضمير حين عُرضت على الملأ صور قتل الأطفال والتمثيل بجثثهم في العلن.

 لأن ما كان يُشاهد أمام العالم لم يكن إلا امتداداً لما اعتادوا فعله في الخفاء.

 وهنا تبرز الكارثة الكبرى: كيف نتوقع، أو نطالب، بالنظرة الإنسانية، والرحمة، والعدل، ممن كانوا وما زالوا يتلذذون بفعلهم في الخفاء؟ 

كيف ننتظر الإنصاف من أشخاص فقدوا إنسانيتهم أصلاً، ورأوا في الألم متعة، وفي الطفل أداة، وفي الجريمة وسيلة؟ 

الأخطر من ذلك أن القرار، قرار الاستمرار أو التوقف، قرار الحرب أو السلم، قرار الحياة أو الموت، لا يزال في أيديهم. 

إن ما يشهده العالم اليوم لا يمكن تفسيره بالعجز أو الفوضى، بل بإرادة واعية فقدت صلتها بالأخلاق. 

الإرادة نفسها التي سمحت بجرائم جزيرة إبستين في الخفاء هي التي تتعامل اليوم مع المجازر في العلن بالبرود ذاته. 

هنا لا يغيب القرار، بل يغيب الضمير؛ فاستمرار الدم ليس خطأً عارضاً بل خياراً متعمداً داخل نظام يحمي الجناة ويكافئ الصمت، ويقوم في جوهره على الإفلات من العقاب. 

لذلك فإن الحديث عن غض الطرف توصيف ناقص ومضلل؛ فالمسألة ليست تجاهلاً، بل تحكماً مقصوداً في مصير البشر

تمارسه نُخب تملك النفوذ وتقرر من يُقتل ومن يُترك بلا عدالة، وفق مصالحها لا وفق أي معيار إنساني.

 الشيطان الذي حمل اسم إبستين لم يكن فرداً بل رمزاً لمنظومة كاملة، منظومة تحكم العالم بينما فقدت أي ارتباط بالقيم التي تدعي الدفاع عنها.

 وحين يُكافأ المجرمون بالصمت، وحين تتحول المجازر إلى أرقام، وحين يُختزل الطفل في خسائر جانبية ، يصبح القادم أكثر خطورة.

كيف يحدث هذا؟ بل: إلى متى يُترك العالم في يد من تاجروا ببراءة الأطفال في الخفاء ثم قرروا إدارة الموت في العلن؟من جرائم جزيرة إبستين الخفي إلى عالم إبستين العلني


اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading