مقالات ووجهات نظر

يا صديقي، إنّ نفسك عزيزةٌ؛ فاحفظْ لها عزِّتها.

بقلم : بسنت صلاح عباس

يا صديقي، إنّ نفسك عزيزةٌ؛ فاحفظْ لها عزِّتها.

يا صديقي، إنّ نفسك عزيزةٌ؛ فاحفظْ لها عزِّتها.

يا صديقي، إنّ نفسك عزيزةٌ؛ فاحفظْ لها عزِّتها.

لا تترُكْها في أذًى على مَظنّة أن ذاك قدْرها أو قدَرها. و لا تَحبِكْ الأسبابَ التي تُسيغُ المُرَّ في قلبك. و لا تغُضَّ الطرفَ عن أنّة روحك على زعم أنَّ الحياة دارُ بلاءٍ و جوَى، و أنْ ليس لك إلا أن تقنع و ترضى. لا شفاعة للأذى، و لا قناعة فيه، و لا رِضًى به.

و إنَّ الحياة -نعم- دارُ بلاءٍ و تعبٍ و جوى، و لكن تعبها الحق ما كان لحق، و ما سواه هوانٌ منك. و إنما يستعبدك ضعفُك ليدَّعي قُوَّته، و يستنزفك نقصُك ليستلب شُبعَته.

و ما كلُّ صبرٍ فضيلة، و لا كلُّ احتمالٍ شرف؛ فبعض الصبر خذلانٌ للنفس، و بعض الاحتمال مشاركةٌ في الظلم، و بعض السكوت توقيعٌ على إذنٍ باستباحة القلب.

و اعلم أنَّ للنفس حُرمةً كحُرمة الجسد، و أنَّ الجراح إذا خفيت لم تكن أقلَّ نزفًا، و أنَّ ما تطيقه اليوم صبرًا قد يعود عليك غدًا علّةً لا تُداوى. فلا تُدرّب قلبك على الهوان، و لا تُعوّده أن يُصادق ما يؤذيه، فإن القلوب -يا صديقي- إذا ألفت القيد حسبته زينة.

و إن احترتَ في وصلٍ، فقد أجابتك حيرتُك. نِعمَ الوصل ما أكساكَ السكينةَ و خلَّصك من الحيرة و أغناكَ عن السؤال. و ما سواه نزفٌ منك و فيك. و ما سواه نَزغٌ مِن الضعف و حَوَجٌ من النقص.

و ليس كل من اقترب منك أهلًا لقلبك، و لا كل من لان حديثه صادق النية، و لا كل من أطال المكث راغبًا في روحك؛ فبعض القرب امتحان، و بعض المودة استدراج، و بعض الأنس باب خفيّ للفقد.

و إنك إن أمعَنتَ لوجدت على رأس كل بادرةٍ إشارةً، و في كل موقفٍ علامةً، حتى قَبَضات قلبك هي أجراسُ حيطةٍ أو قَرْع نذيرٍ.. فاستجِبْ لها، و لا تصُمَّ أسماعَك عنها.

فالقلب لا يُخطئ كثيرًا، و إن أخطأ فببراءة، و إن حذّر فبصدق، و إن ارتجف فاعلم أن في الطريق ما لا يليق بك.

و لا يسلِبك خوفُك مِن نُدرةِ الأحبّة مِن اليقين بجدارتك. كلنا مَرغوبون لمَن يأتنسُ بأرواحنا، جميلون في عيون الذين يحبوننا. و لا صِدقَ في رغبةِ أحدٍ بكَ و لا في حبه لكَ إلا إذا سبقهما أنه قد أبصرَ ما فيك من عواتمٍ، و ما يتناوب عليك من فصولٍ، ثُمّ أقبلَ عليك مأنوسًا بروحك، دون عُدُولٍ أو نفورٍ.

فمن أحبك صورةً خانك عند أول صدع، و من أحبك هيئةً تركك عند أول ذبول، و من أحبك شأنًا غاب عنك عند أول سقوط. أمّا من أحبك روحًا، فقد أحبك حيث لا تزول، و حيث لا تخون الملامح، و حيث لا يسقط المقام.

فانظُر على أيِّ قياسٍ تَزِنُ جاذبيّتك؛ أهو على شكلك، و شأنك؟ أم هو على رونق قلبك، و منطق فكرك، و سيمة روحك؟

أنا -يا صديقي- لا أخدعُكَ. أَعلمُ أكيدًا أنّ جمالَ الهيئة جاذِبٌ. لكنه يفترُ سريعًا إذا اقتربتَ فلم تلقَ مثيلَه في الروح. و أَعلمُ أنّ عُلوَّ الشأن لافِتٌ، لكنه يسقطُ صغيرًا إذا عاشَرتَ فوجدت ضِعَةً في القلب.

ستؤمِنُ حينها أنَّ أفْتنَ ملامِحك هي عِفّة قلبك، و أعلى منازلك هي خفّة روحك. و أن الراحة أبقى مِن اللذة، و أن السكينة رزق، و أن الطمأنينة علامة القَبول.

و على مَطلع كل طريقٍ، و خلفَ طرقةِ كل عابرٍ، توقَّف و تفقّد رغبتَك و جوابَ قلبك أولًا، فلا تخطُ خُطوةً إلا لِما تُحبُّ، و لا تفتح القلبَ إلا لمَن يستحق. و لا تُبالِ بسَيرِ الزحام، و لا بهَوس العوامِّ، و لا تقُلْ “مثلي كمثل الناس”، بل اِتْبَع حبَّك، و إن سِرتَ وحيدًا.

فالوحدة في طريق تحبّه أهون من صحبةٍ في دربٍ تكرهه، و الغربة مع نفسك أصدق من ألف أنسٍ وأنت غريب عنها.

تعلَّمْ -يا صديقي – مِمّا مضَى، و لا تنسَ يومًا حين تعثَّرت، فإنك إن نسيتَ فقد نسيتَ الدّرسَ الذي هو هَديَّة عثرتِك، و لربما تنعادُ عليك العثرةُ مِرارًا حتى تقبل هديَّتها.

فما أكثر الذين يشكون التكرار، و هم لم يفهموا الرسالة الأولى، و ما أكثر الذين يلعنون الحظ، و هم يكرّرون الاختيار نفسه بأسماء مختلفة و وجوه جديدة.

و اذكُر كم مِن عزيزٍ ودَّعكَ، و كم مِن عابرٍ هَجرَ وصالَك. و اذكُر كم مِن مُرادٍ تمنَّعَ عنك، و كم مِن شقاءٍ فجَعَ فؤادَك..

لا لتأسى، بل لتتعقّل. لا لتبكي، بل لتبصر. فكل وداع علّمك حدّك، و كل فقد عرّفك قيمتك، و كل حرمان نقّى رغبتك مما لا يليق بها.

و لا بأس.. تمضي الحياةُ.. و يُسلِينا الزمانُ.

ننسى كثيرًا، و نبرأ قليلًا، و ننجو أحيانًا، و نتعلّم دائمًا.

و إن لم تعطك الحياة ما تشتهي، فقد أعطتك ما تحتاج، و إن لم تُسرّك طرقها، فقد هذّبت خُطاك، و إن لم تُبقِ لك الأحبّة، فقد أبقت لك نفسك.

فاحفظها.

فما خُسِر في الدنيا شيءٌ أعظم من نفسٍ ضيّعتها بيدك.

 

يا صديقي، إنّ نفسك عزيزةٌ؛ فاحفظْ لها عزِّتها.

اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading