مقالات ووجهات نظر

ألشخصية ألعنيدة في الأسرة وألمجتمع بين قوة الإرادة وجمود الرأي

حامد راضي

ألشخصية ألعنيدة في الأسرة وألمجتمع بين قوة الإرادة وجمود الرأي

ألشخصية ألعنيدة في الأسرة وألمجتمع بين قوة الإرادة وجمود الرأي تظل الشخصية العنيدة واحدة من أكثر الأنماط السلوكية حضورًا وتأثيرًا داخل الأسرة والمجتمع،

إذ تختلط في كثير من الأحيان مفاهيم الثبات على المبدأ بالتمسك الأعمى بالرأي.

فبينما يُنظر إلى الإصرار أحيانًا باعتباره قوة شخصية وصلابة في الموقف،

قد يتحول في سياقات أخرى إلى سبب مباشر في توتر العلاقات وتعقيد المواقف اليومية بل وإلى عامل هدم صامت للروابط الإنسانية.

داخل الأسرة، يظهر العناد في صور متعددة تبدأ بمواقف بسيطة ثم تتطور إلى مشكلات أعمق.

فقد يصرّ أحد الزوجين على قرار معين يتعلق بإدارة شؤون المنزل أو أسلوب تربية الأبناء، رافضًا أي نقاش أو اقتراح بديل

حتى وإن كان يصب في مصلحة الأسرة. ومع تكرار المواقف، تتراكم الخلافات الصغيرة

لتصبح حالة دائمة من التوتر، ويغيب الحوار لتحل محله المجادلة أو الصمت العقابي.

وفي بعض البيوت، قد يتمسك الأب برأيه بشأن مستقبل ابنه الدراسي دون الاستماع إلى ميوله أو قدراته،

معتبرًا أن خبرته الحياتية كافية لحسم القرار. وفي المقابل،

قد يرفض الابن أي توجيه من والديه بدافع الاستقلال،

فيتحول النقاش إلى صدام، لا هدف له سوى إثبات من يملك القرار. هنا لا تكون المشكلة في اختلاف الرؤى،

بل في انغلاق كل طرف على موقفه واعتبار التراجع خسارة شخصية.

أما في محيط العمل، فتبرز خطورة العناد بصورة أكثر وضوحًا. فقد يتمسك مدير بفكرة مشروع رغم

وجود تقارير تؤكد الحاجة إلى تعديل المسار، فيتأخر التنفيذ أو تتكبد المؤسسة خسائر كان يمكن تفاديها.

كما أن الموظف الذي يرفض الاعتراف بخطأ مهني أو يصر على أداء مهامه بأسلوب تقليدي يرفض التطوير،

قد يفقد ثقة فريقه ويؤثر سلبًا في بيئة العمل. فالمؤسسات الناجحة

تقوم على تبادل الأفكار والانفتاح على الرأي الآخر، لا على فرض وجهة نظر فردية.

وفي العلاقات الاجتماعية اليومية، قد يؤدي العناد إلى فقدان صداقات طويلة بسبب مواقف كان يمكن إحتواؤها بإعتذار بسيط

أو مراجعة هادئة للموقف. فكثير من العلاقات لا تنتهي بسبب خلافات كبرى بل نتيجة تكرار مواقف يغيب عنها التنازل في الوقت المناسب.

ومع ذلك من الضروري التفرقة بوضوح بين العناد والتمسك بالمبدأ، فهما مفهومان قد يتشابهان ظاهريًا

لكنهما يختلفان جوهريًا. العناد هو الإصرار على الرأي لمجرد الإصرار،

ورفض التراجع حتى في ضوء معطيات جديدة أو أدلة تثبت عكس الموقف.

وهو غالبًا ما يرتبط بالرغبة في إثبات الذات أو تجنب الاعتراف بالخطأ،

وقد يكون نابعًا من خوف داخلي أو شعور بعدم الأمان.

أما التمسك بالمبدأ، فهو ثبات مبني على قناعة أخلاقية أو قيمة راسخة، لا يتغير بتغير المصالح أو الضغوط.

الشخص المتمسك بمبدئه قد يناقش ويستمع ويعيد تقييم موقفه، لكنه لا يساوم على ما يراه حقًا أو عدلًا.

الفارق الأساسي أن صاحب المبدأ منفتح على الحوار،

بينما العنيد منغلق عليه. الأول يوازن بين الثبات والحكمة، والثاني يخلط بين القوة والجمود.

خطورة العناد تكمن في نتائجه المتراكمة، إذ يؤدي إلى عزلة تدريجية لصاحبه، ويجعله دائمًا في موقع الدفاع عن موقفه،

وكأن الحياة ساحة مواجهة مستمرة. كما أنه قد يهدم علاقات أسرية مستقرة،

ويضيع فرصًا مهنية مهمة، ويولد ضغوطًا نفسية ناتجة عن الصراع الدائم لإثبات صحة الرأي.

إن المجتمع المتماسك يبدأ من أسرة قادرة على الحوار، والعمل الناجح يعتمد على روح الفريق والتكامل،

والعلاقات الإنسانية تزدهر حين يسودها إحترام الرأي الآخر.

وبين الإصرار المحمود والعناد المرفوض، تبقى الحكمة هي الفيصل. فالقوة الحقيقية لا تكمن في كسب كل جدال،

بل في إدراك اللحظة التي يكون فيها التراجع حفاظًا على العلاقة انتصارًا أكبر من التمسك بالرأي.ألشخصية ألعنيدة في الأسرة وألمجتمع بين قوة الإرادة وجمود الرأي


اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading