الكلمة… بين إنقاذ القلوب وإشعال الحروب

ليست الكلمة مجرد صوتٍ يخرج من الفم أو حروف تُكتب على الورق، بل هي قوة خفية قادرة على تشكيل المصائر، وبناء الجسور أو هدمها. قد تمر الكلمة عابرة في نظر قائلها، لكنها قد تترك أثرًا لا يُمحى في نفس السامع، وربما تغيّر مسار حياةٍ كاملة.
منذ بداية الخليقة، كانت الكلمة أول أدوات التأثير؛ بها خُلق الحوار، وبها بدأت الخلافات، وبها أيضًا انتهت حروب وبدأت عهود سلام. فكم من كلمة صادقة داوت جرحًا عميقًا، وكم من كلمة طائشة أشعلت نار فتنة لا تنطفئ بسهولة.
خطورة الكلمة حين تُساء
كلمة واحدة قاسية قد تهدم ثقة بُنيت عبر سنوات، أو تزرع شكًا في قلبٍ كان مطمئنًا. في العلاقات الإنسانية، قد يؤدي سوء التعبير إلى خصومات بين الأصدقاء، أو خلافات أسرية تصل أحيانًا إلى القطيعة.
وفي المجتمع، قد تتحول كلمة غير مسؤولة إلى شرارة تُشعل الرأي العام، أو تُثير الكراهية، أو تُقسّم الناس على أساس طائفي أو فكري.
أما على مستوى الدول، فالتاريخ مليء بالأمثلة التي بدأت فيها الحروب بخطاب متشنج، أو تصريح مستفز، أو كلمة لم تُحسب عواقبها، فتحولت الكلمات إلى صواريخ، والحوارات إلى ميادين قتال.
قوة الكلمة حين تُحسن
وعلى الجانب الآخر، تملك الكلمة قدرة مذهلة على الترميم. كلمة دعم في وقت ضعف، أو اعتذار صادق، أو خطاب حكيم، قد يعيد الأمل ويُطفئ نار الخلاف.
كم من أمٍّ طمأنت طفلها بكلمة فهدأ خوفه، وكم من قائدٍ أنهى صراعًا بكلمة عقلانية فتوقفت الدماء، وكم من جملة صادقة أحيت إنسانًا كان على وشك الانكسار.
لقد أثبتت التجارب أن الكلمة الطيبة لا تقل تأثيرًا عن الدواء، فهي تُريح القلوب، وتزرع الطمأنينة، وتفتح أبواب السلام حتى في أحلك الظروف.
بين السلام والحرب… تقف الكلمة
الكلمة تقف دائمًا على مفترق طرق:
إما أن تكون جسرًا نعبر به نحو التفاهم،
أو سلاحًا نجرح به الآخرين وربما أنفسنا.
ولهذا، فإن المسؤولية الأخلاقية للكلمة لا تقل أهمية عن أي فعل. فالكلمات أفعال مؤجلة النتائج، لكنها حتمًا تعود، إما راحةً أو ندمًا.
الخلاصة
في عالم يموج بالتوتر وسرعة التواصل، أصبح انتقاء الكلمة ضرورة لا رفاهية.
أن نفكر قبل أن نتحدث، وأن نزن كلماتنا بميزان الحكمة، وأن ندرك أن كل حرف قد يترك أثرًا… ذلك هو طريق السلام الحقيقي.
فاختر كلمتك بعناية،
فقد تكون سببًا في سعادة قلب،
أو بداية حرب لا تُغتفر.
الكلمة… بين إنقاذ القلوب وإشعال الحروب
اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

