مقالات ووجهات نظر

المتربص

بقلم/ محمود السيد

المتربص

المتربص في أحد الأيام كنتُ جالسًا ممسكًا بكوب الشاي وباليد الأخرى ممسكًا بالهاتف رأيت منشورًا من فتاة تقول فيه أنها اكتشفت وجود رجل غريب مختبئ في بيتهم المفترض أنه لص لكنه لم يكن كذلك

صرخت الأم هرب الرجل تجمّع الجيران حضرت الشرطة غادر الرجل كما جاء خفيفًا لم يسرق شيئًا من المنزل حتى هنا تبدو القصة مألوفه

ربما لص لم يتمكن من سرقة شيء لكن التعليق الذي جاء بعدها لم يكن مألوفًا على الإطلاق

كتب أحدهم “هناك ظاهرة أخطر مليون مرة من اللصوص اسمها الـ Stalkers أو المتربص” حينها دفعني الفضول للبحث عن هذه الكلمه أكثر

ثم تذكّرتُ موقفًا حدث معي كنت عائدًا إلى البيت ذات مساء في قريتنا الهادئة كنت أحمل أكياسًا

سوداء مليئة بالخضار واللحم والفواكه أكياس عاديه لا شفافة ولا فاخرة مجرد أكياس سوداء لا تكشف أسرارها

وعلى بُعد مئة متر تقريبًا كانت إحدى الجارات جالسة أمام بيتها عيناها مصوبتان نحوي بدقة قناص

لم ألتفت كثيرًا ظننتها نظره عابره من تلك النظرات الريفيه التي تُوزع مجانًا على المارة

لكن المفاجأه جاءت لاحقًا حين مرّت أختي أمامها قالت لها الجاره بكل ثقه “أخوكي محمود جايب لحمه”

ضحكت حينما أخبرتني أختي بذلك وقلت مازحًا إن جارتنا تملك قوى خارقه لكن بين الضحكه والدهشه تسلّل سؤال صغير كيف عرفت

هل كانت تخمّن أم أنها راقبت حركة يدي أم أن عينها تعوّدت أن تفك شيفرات الأكياس كما يفك المحققون الشفرات السرية

في الريف الرقابه هواية اجتماعية قديمة لا تحتاج إلى إنترنت ولا إلى كاميرات يكفي أن تفتح باب بيتك أو أن تمر من أمامهم فقط

في نفس الأسبوع كنت أقلب في هاتفي بين ڤيديو ممل وآخر مضحك

حتى ظهر أمامي عنوان بسيط “روتيني اليومي” امرأة بجلباب وطرحه تنظف بيتها تطبخ تغسل تمسح الشبابيك ترتب السجاد إلخ

لا موسيقى صاخبة لا مؤثرات لا محتوى مثير مجرد حياه عادية جدًا

نظرت إلى عدد المشاهدات أكثر من مليون

مليون إنسان يشاهدون سيده تنظف بيتها لمدة ساعه كاملة وهنا لم أعد أفكر في الجاره فقط

بل في العالم كله لماذا يشاهد الناس حياة غيرهم بهذا الشغف لماذا تتحول التفاصيل اليوميه

إلى عرض جماهيري لماذا نحب أن نطل من ثقوب صغيرة على بيوت الآخرين

حسنًا من هو المتربص علم النفس يؤكد أن المتربّص يعاني غالبًا من اضطراب نفسي

اضطرابات التعلق والتكيف يجد المتربّص متعة في مراقبة الآخرين لتعويض شعور بالوحده أو النقص العاطفي

حاجة مفرطة للسيطرة متابعة حياة الآخرين تمنحه شعورًا زائفًا بالقدرة على التحكم بما يحدث من حوله حتى ولو كان تأثيره محدود الفضول

المبالغ فيه أو الوسواس بعض المتربصين يجدون صعوبه في ترك الأمور غير معروفة ويقضون ساعات في المراقبة لإشباع رغبتهم في المعرفه المطلقة

المتعه النفسيه دراسة السلوك البشري أظهرت أن البعض يشعر بارتياح داخلي حين يعرف تفاصيل حياة الآخرين حتى ولو كان ذلك مضادًا

للخصوصية المتربّص لا يسرق ممتلكاتك بالضرورة لكنه يسرق شعورك بالأمان ويجبرك على إدراك أن حياتك ليست خاصه كما تعتقد

هذه الحقيقه وحدها تؤكد أن المتربص ظاهره خطيره نفسيًا حتى دون أي نية لإيذاء مباشر أحيانًا المتربص يكون حسابًا صامتًا يتابعك منذ سنوات

لا يضغط إعجابًا لا يعلق لكنه يعرف متى تزوجت ومتى أنجبت ومتى سافرت ومتى حزنت ومتى

اشتريت هاتفًا جديد وأحيانًا يكون جارًا يجلس على بعد مئة متر ويعرف أنك اشتريت لحمه اليوم

الخطر ليس في المعلومة الخطر في النيه اللص إن سنحت له الفرصه قد يسرق مالك وينتهي الأمر

أما المتربص فهو يستمتع بمراقبة حياتك يعيش على التفاصيل يتغذّى على يومك العادي والسؤال هل تشعر بوجود متربصين في حياتكالمتربص


اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading