مقالات ووجهات نظر

بين النبل والإختيار ونهاية رمادية آمنه “لاترد ولا تستبدل” 

كتبت ... ريهام رفعت

بين النبل والإختيار ونهاية رمادية آمنه “لاترد ولا تستبدل”  

بين النبل والإختيار ونهاية رمادية آمنه "لاترد ولا تستبدل" 

بين النبل والإختيار ونهاية رمادية آمنه “لاترد ولا تستبدل” 

نهاية «لا ترد ولا تستبدل» لم تُرضِ المشاهد لأنها سعيدة، بل لأنها بدت منطقية. وهذا في حد ذاته مكسب نادر في دراما اعتادت أن تكافئ العاطفة على حساب الحقيقة.

لكن هذه النهاية، رغم صدقها الظاهري، ليست بريئة بالكامل، بل تحمل اختيارات فنية محسوبة، وبعض التسويات الذكية التي تستحق التوقف أمامها.

العمل راهن في لحظاته الأخيرة على النبل الإنساني بدل الصدام الدرامي. لم يزوّج طه وريم، ولم يقتل الحب، ولم يحسم العلاقة، بل تركها معلّقة في منطقة رمادية مريحة نفسيًا للمشاهد.

وهذه المساحة الوسطى منحت الجمهور ارتياحًا أخلاقيًا، لكنها في الوقت نفسه جنّبت العمل مواجهة أكثر الأسئلة إيلامًا: هل كان الحب كافيًا؟ وهل كان الاختيار حرًا بالفعل؟

طه هو أكثر الشخصيات التي استفادت من هذه المنطقة الرمادية. تحوّله من شخص مُلتبس إلى إنسان “جدير بالحب”

تم عبر فعل عظيم واحد وجملة أخلاقية لامعة. المشهد الذي قال فيه: «ما تقوليش حاجة وإنتِ متلخبطة» كان ذروة إنسانية حقيقية، لكنه دراميًا حمل عبئًا أكبر مما يحتمل.

والجملة هنا أنقذت الشخصية من محاسبة كاملة على تاريخها، ومنحتها غفرانًا سريعًا لأن اللحظة كانت صادقة ومؤثرة. الدراما هنا انحازت للمشاعر أكثر مما انحازت للبناء الطويل.

ريم، في المقابل، بدت طوال النهاية بطلة صامتة. يُقال لها إن الاختيار بيدها، لكنها محاصَرة بالمرض، وبالذنب، وبالتضحية، وبالخوف من الخسارة.

نظريًا هي حرة، ودراميًا هي مضغوطة حتى أقصى حدودها. العمل احتفى بفكرة الحرية، لكنه لم يمنح الشخصية المساحة الكافية لتجسيدها فعلًا خارج رد الفعل.

الشجن كان السلاح الأبرز في الحلقات الأخيرة، واُستخدم بمهارة واضحة: حادثة الموت، الحضن قبل العمليات، الدموع، الآية، الصمت. لكن كثافة الشجن اقتربت أحيانًا من الاستهلاك العاطفي.

وحين تتوالى الذروات بلا فواصل كافية، يصبح المشاهد مستعدًا للبكاء بدل أن يُفاجأ به. الشجن يظل قويًا، لكنه يفقد عنصر المفاجأة الذي يمنحه عمقه الحقيقي.

أما الطبقية، فقد حضرت كخلفية واعية، لكنها لم تتحول إلى صراع حقيقي. الفروق بين عالم طه وعالم ريم ظلت مبررًا هادئًا للنهاية، لا سؤالًا مفتوحًا للنقاش.

الدراما وصفت الواقع بدقة، لكنها لم تجرؤ على مساءلته بحدة أكبر، فبدت وكأنها تقبل الحدود الاجتماعية بدل أن تضعها تحت المجهر.

نادر: الزوج الذي لم يُعاقَب لأن فشله كان مألوفًا

نادر لم يكن شريرًا، لكنه كان زوجًا تقليديًا باردًا، أدى دوره كما تعلّمه: مسؤول، مستقر، حاضر شكليًا، وغائب عاطفيًا. لم يفهم لغة الحب التي كانت ريم تحتاجها: الطبطبة، القرب، الاحتواء. قدّم لها ما يستطيع، لا ما كانت تحتاجه فعلًا.

غيرته من وجود طه لم تكن غيرة حب، بل غيرة فراغ؛ رجل يكتشف متأخرًا أن شخصًا آخر يملأ مساحة لم يعترف يومًا بوجودها. لم يسأل نفسه لماذا تشعر زوجته بالأمان مع غيره، بل انشغل برفض هذا الوجود.

العمل لم يُحاسب نادر، لأن فشله يشبه فشلًا اجتماعيًا شائعًا: زواج لا ينهار، لكنه يذبل. جزاؤه لم يكن الخسارة أو الوعي، بل البقاء كما هو، وهو أخف عقاب دراميًا وأقساهم إنسانيًا.

نادر لم يُدان لأنه لم يؤذِ صراحة، لكن النص كشف انحيازه حين تسامح مع البرود، رغم أنه أحيانًا أكثر فتكًا من القسوة.

شخصية أم أيمن قدمت نموذجًا آخر لهذا المنحى الآمن. تحولها الإنساني كان جميلًا ومؤثرًا، لكنه سريع، قائم على لحظة واحدة فاصلة،

وكأن الفرصة الوحيدة كافية لتطهير تاريخ كامل من الأخطاء. وهذا النوع من التحولات يرضي القلب، لكنه يسطّح البشر، ويجعلهم أقل تعقيدًا مما هم عليه في الحقيقة.

في النهاية، «لا ترد ولا تستبدل» عمل ذكي، حساس، ومحترم لمشاعر جمهوره. اختار أن يكون إنسانيًا لا صادمًا، واقعيًا لا فاضحًا. لكنه في هذا الاختيار ضحّى بجزء من خطورته الفنية. النهاية جميلة، نعم، لكنها آمنة.

والدراما العظيمة لا تكتفي بأن تكون جميلة، بل تترك أثرًا مزعجًا، سؤالًا معلّقًا، أو جرحًا صغيرًا يرفض أن يلتئم بسرعة.

هذا عمل يقترب كثيرًا من العظمة… ثم يتوقف خطوة قبلها.

 

بين النبل والإختيار ونهاية رمادية آمنه “لاترد ولا تستبدل” 


اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading