بين عدل السماء وجفاء الأرض: حين تصبح “المصلحة” ديناً للبشر
في عمق الفلسفة الوجودية التي نحياها، تبرز حقيقة إيمانية طالما كانت هي صمام الأمان لاستمرار البشرية ، أن الأرزاق بيد الله وحده ، فلو تركت قوات العباد لتقديرات البشر ونزواتهم، ولو كان مفتاح الرزق رهناً برضا زيد أو غضب عبيد، لمات الناس جوعاً و عطشاً في أزقة الشُّح البشري. لكن فضل الله ورحمته جعلا الأرزاق شأناً سماوياً خالصاً، ليتسنى لنا أن نتنفس ونقتات من خيراتٍ لا يملك أحدٌ صك منعها أو منحها ، ومع ذلك ، ونحن نقتات من رزق الله الواسع ، نصطدم بواقع اجتماعي مرير يشير إلى أننا وصلنا إلى زمن جفت فيه منابع العاطفة الصادقة . لقد تحول العالم إلى “سوق كبرى” لا مكان فيها للمشاعر المجردة؛ حيث باتت المحبة مرتبطة شرطياً بمدى النفع الذي يقدمه الآخر ، نحن نعيش عصر “المصلحة أولاً”، حيث يركض الجميع خلف غاياتهم الشخصية، في سياق محموم أطاح بقيم الوفاء والودّ الفطري.إن أخطر ما يواجه نسيجنا الاجتماعي اليوم هو “المحبة المشروطة” ، فعندما تنتهي المصلحة، تغيب المحبة فجأة وكأنها لم تكن ، وتتحول تلك الكلمات البراقة والوعود الوردية إلى جثة هامدة من الكذب والنفاق. سقطت الأقنعة ولم يعد هناك من يحب لذات الشخص، بل لِما يملكه أو لِما يمكن أن ينتزعه منه..لقد باتت العلاقات الإنسانية أشبه بـ “عقود الإذعان”؛ تنتهي صلاحيتها فور انقطاع المصلحة المتبادلة، ليحلّ الجفاء محلّ الصفاء، وتنكشف حقائق النفوس التي تقتات على تزييف المشاعر للوصول إلى مآربها. إن شكر الله على نعمة استقلال الأرزاق عن هوى البشر هو أولى خطوات الطمأنينة ، وفي زمن المصالح، تظل القلوب الصادقة هي العملة النادرة التي يجب أن نبحث عنها ونتمسك بها. فالحياة بلا محبة صادقة هي صحراء قاحلة، والمحبة التي يبنيها النفاق هي بناءٌ من ورق ينهار مع أول عاصفة حقيقية ، فلنحمد الله دائماً على أرزاقٍ لا تنقطع، ولنحذر من قلوبٍ لا تفتح أبوابها إلا بمفاتيح المصلحة.
بين عدل السماء وجفاء الأرض: حين تصبح “المصلحة” ديناً للبشر
اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

