مقالات ووجهات نظر

رحلة التهذيب الإلهي بقلم: د/ ثناء العمده

بقلم: د/ ثناء العمده

لم نأتِ إلى هذه الحياة على مهل، ولم تُفرش لنا الطرق بالطمأنينة. وُجدنا في قلب العاصفة، وكأن الدنيا ألقت بنا فجأة ثم قالت: تعلّموا الصمود. واجهتنا الآلام دفعةً واحدة، فعرفنا الوجع قبل الفرح، وكبرنا نبحث عن مأوى لقلوبنا، وعن لحظة أمان لا نشعر فيها أننا نخوض المعركة وحدنا.
ومن حقّنا أن نبكي، لا لأننا ضعفاء، بل لأن داخلنا أوجاعًا تراكمت طويلًا في صمت. حين يثقل الحزن الصدر حتى يصبح التنفّس مجهودًا، وحين يتصدّع القلب دون أن يسمع أنينه أحد. فالبكاء ليس هزيمة، بل رحمة، وقد قال الله تعالى:
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: 43].
أما الهزيمة الحقيقية فهي أن نتخشّب، وأن نموت من الداخل ونحن نواصل الحياة بوجوهٍ جامدة.
لم تُخلق الحياة طريقًا ممهّدًا، ولم يُقدَّر للإنسان أن يمرّ فيها بلا ابتلاء. فالشدائد سُنّة إلهية، يختبر الله بها القلوب ويهذّب النفوس، كما قال سبحانه:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾.
وما نمرّ به من أوجاع ليس خذلانًا، بل ميدان صبر ورفعة، وإن عجزنا أحيانًا عن فهم الحكمة.
علّمتنا التجارب أن الألم لا يزول بتجاهله، وأن القوة ليست في الادّعاء ولا في الهروب، بل في المواجهة الصادقة والاعتراف بالضعف بين يدي الله، ثم الاستعانة به على مواصلة الطريق. فالله لا يحمّل عبدًا فوق طاقته، وكل ما أثقلنا كان بعلمٍ وعدل، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. وقد قال رسول الله ﷺ:
«وما أُعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر».
ومع مرور الوقت تغيّرنا. لم نعد كما كنّا، لا لأن الألم قسّانا، بل لأن الصبر أنضجنا. صارت في داخلنا ندوب، لكنها ليست ضعفًا، بل شواهد نجاة، وخرائط معارك خرجنا منها أحياء. فقدنا أشياء كثيرة، لكننا ربحنا أنفسنا، وربحنا قلبًا أكثر تواضعًا، وتوكّلًا أصدق. وكما قال النبي ﷺ:
«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير؛ إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له» [رواه مسلم].
وربما هذه هي الحقيقة التي لا نفهمها إلا متأخرين: نحن لم نُخلق لنبقى كما نحن. بعض الانكسارات لا تأتي لتُسقطنا، بل لتعيد تشكيلنا من الداخل. فبعد كل عسر يُخبّئ الله يُسرًا، كما وعد سبحانه:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5–6].
نسخة جديدة تولد من الألم، أكثر وعيًا وثباتًا، تعرف أن الابتلاء ليس نهاية الطريق، بل عبور، وأن من توكّل على الله بصدق، لم ينكسر وإن اشتدّت العواصف.
قرائى الأعزاء اسأل الله أن يلهمنى وإياكم الصبر والسلوان وأن يظل يربت على قلوبنا ما حيينا.

رحلة التهذيب الإلهي


اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading