شمس الماسلينيتسا تشرق في عروس المتوسط: قراءة في قوة التراث والسيادة الثقافية

شمس الماسلينيتسا تشرق في عروس المتوسط: قراءة في قوة التراث والسيادة الثقافية
بقلم: ريم الرحماني
في اللحظة التي تمتزج فيها زرقة بحر الإسكندرية بخيوط الشمس الذهبية المنبعثة من قلب التراث الروسي، تدرك أنك لست أمام مجرد احتفال موسمي، بل أنت في حضرة “تلاقي الحضارات”.
لقد كان حضوري اليوم احتفالية “الماسلينيتسا” بالبيت الروسي بالإسكندرية تجربة استثنائية، كشفت لي كيف يمكن للتاريخ أن يبعث من جديد في صورة بهجة لا تعرف الحدود.
ليست “الماسلينيتسا” مجرد عيد شعبي، بل هي ملحمة سلافية قديمة ترمز لانتصار الضياء على العتمة. في هذا العيد، تتحول فطائر الـ “بليني” (Blini) إلى أيقونة شمسية مصغرة؛ دائرية، ذهبية، ودافئة، تُقدم كقربان محبة لاستقبال الربيع.
إنها رسالة روسية بليغة مفادها أن الحياة، مهما اشتدت برودتها، لا بد أن تزهر من جديد. وهذا التراث الذي يضرب بجذوره في أعماق القرون الوسطى، وجد له صدىً ساحراً في الإسكندرية، المدينة التي علّمت العالم معنى الانفتاح الثقافي.
لقد تضمن الحدث تجربة ثقافية فريدة أتاحت للحضور الانغماس في تفاصيل العادات الروسية الأصيلة؛ حيث استمتعنا بباقة من الفقرات الفنية والاستعراضية
المستوحاة من قلب التراث الروسي، والتي تعكس حيوية هذا الشعب وعشقه للفنون. ولم تكتمل التجربة إلا بتقديم أشهر المأكولات التقليدية التي تشتهر بها احتفالات «الماسلينيتسا»، في مشهد احتفالي متكامل يربط الحواس بالتاريخ، ويفتح آفاقاً جديدة للتعرف على طقوس استقبال فصل الربيع في الثقافة الروسية العريقة.
لقد زاد من رقيّ المشهد حضور السيد أرسيني ماتيوسشينكو، مدير البيت الروسي بالإسكندرية، الذي يبرهن دائماً برؤيته على عمق الروابط الثقافية، بمشاركة فاعلة من ممثلي الجالية الروسية بالإسكندرية وأسرهم، مما أضفى طابعاً مجتمعياً دافئاً يعكس روح العائلة الواحدة.
إن النجاح المبهر لهذه الفعالية وتفاصيلها الدقيقة يعود للجهود المخلصة في الإدارة والتنظيم،
حيث كان للأستاذ عمر فليفل، مدير العلاقات العامة بالبيت الروسي، دور محوري بلمسته الدبلوماسية المعهودة وقدرته الفائقة على خلق حالة من التناغم الفريد بين الضيوف والفقرات، مما جعل من الحدث لوحة فنية متكاملة الأركان تليق بهيبة الكيان الروسي وعظمة الدولة المصرية في إطار تعزيز التواصل الثقافي والمجتمعي.
مثل هذه المناسبات تؤكد لي أن العلاقات المصرية-الروسية ليست مجرد شراكة سياسية، بل هي شبكة متكاملة من التبادل الثقافي والاجتماعي، وهذا ما يجعلها نموذجًا يُحتذى به في تعزيز الروابط الدولية من خلال الفنون والتراث
إن مد جسور التواصل الثقافي بين القاهرة وموسكو هو الضمانة الحقيقية لعلاقات استراتيجية لا تهزها الرياح. لقد غادرتُ البيت الروسي وفي جعبتي يقين بأن “القوة الناعمة” هي اللغة الأرقى التي تتحدث بها الشعوب، وأننا نضع اليوم لبنات قوية في بناء مستقبل يقوم على الاحترام، الود، والجذور الثقافية المشتركة التي لا تزيدها الأيام إلا رسوخاً وبريقاً.
شمس الماسلينيتسا تشرق في عروس المتوسط: قراءة في قوة التراث والسيادة الثقافية
اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.





