
غرفة بلا نوافذ… وليل لم يخرج منه الجميع
بقلم: رنيم علاء نور الدين
في تلك الليلة، لم يكن العمال الثمانية يعلمون أن المكان الذي احتموا به من برد الليل سيصبح شاهدًا على نهاية ثلاثة منهم. داخل مدرسة تحت الإنشاء بقرية غزالة في مركز الضبعة.
تمددوا على الأرض بعد يوم عمل شاق، بينما كان الموت يعمل بهدوء في الخلفية، بلا صوت ولا إنذار.
مولد كهرباء ديزل ظل يعمل قرب الغرفة المغلقة، يطلق عادمًا محمّلًا بغاز أول أكسيد الكربون.
لم يشعر أحد بالخطر، فالغاز لا لون له ولا رائحة، لكنه كان يملأ المكان تدريجيًا، يسحب الأكسجين من صدور النائمين، ويحوّل النوم إلى اختناق بطيء.
مع مرور الساعات، توقف ثلاثة قلوب عن الخفقان. شقيقان كانا يتقاسمان العمل والغربة، وثالث خرج من محافظته باحثًا عن رزقٍ يومي،
لم يعرف أن هذه الليلة ستكون الأخيرة. خمسة آخرون بقوا بين الحياة والموت، أجسادهم عاجزة عن المقاومة، وأنفاسهم تتلاشى.
بلاغ عاجل هزّ غرف عمليات الإسعاف والصحة بمطروح. سيارات الإسعاف اندفعت إلى الموقع،
لتكشف عن مشهد ثقيل:
أجساد بلا حراك، ومصابون فاقدو الوعي، وهواء خانق ما زال يحتفظ بأثر الجريمة الصامتة.
في مستشفى الضبعة المركزي، أُعلن عن وفاة ياسر عبد الستار فتحي (33 عامًا)، وشقيقه محمد عبد الستار فتحي، ومحمد عوض بهلول (28 عامًا)، حداد، نتيجة استنشاق أول أكسيد الكربون.
فيما نُقل المصابون الخمسة إلى العناية المتوسطة، بعضهم على أجهزة التنفس الصناعي، في محاولة لانتزاعهم من قبضة الموت في اللحظات الأخيرة.
الحادث لم يكن انفجارًا ولا حريقًا، بل إهمالًا تراكميًا، وغرفة بلا تهوية، ومولد يعمل دون حساب، وموقع عمل تحوّل إلى مسكن ليلي بلا أدنى شروط أمان.
في النهاية، لم يمت العمال الثلاثة أثناء العمل، بل أثناء النوم…
فمن يحاسب على موتٍ يأتي بصمت، ويغتال البشر وهم يحلمون فقط بالراحة؟
غرفة بلا نوافذ… وليل لم يخرج منه الجميع
اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



