لــمــة الــــعــيـــلة فـــي رمـضـان… حيـن كان البيت يـتسع للـجـمـيـع
بقلم : د أحـمـد طـه عـفـيـفـى

كان لرمضان زمان طعمٌ آخر…
لم يكن مجرد شهر صيام، بل موسم قلوبٍ مفتوحة، وبيوتٍ لا تُغلق أبوابها، وموائدَ تتّسع قبل أن تُمدّ.
كان رمضان يبدأ بلمة العيلة قبل أن يبدأ بالأذان.
الجدة في المطبخ منذ العصر، والأم تساعدها، والعمّة تُحضّر الحلوى، والخالة تأتي بطبقٍ “من ريحة إيديها”، والأطفال يركضون بين الغرف ينتظرون مدفع الإفطار أكثر مما ينتظرون الطعام.
لم تكن المائدة فاخرة، لكنها كانت عامرة بالمحبة.
طبق فول، صينية بطاطس، قليل من العصير… لكن البركة كانت تكفي الجميع.
زمان كانت الزيارات بلا مواعيد، واللمة بلا دعوات رسمية.
العم يدخل البيت كأنه بيته، والخال لا يحتاج إذنًا، والأقارب أقرب من الجيران.
الضحكة كانت صادقة، والعتاب كان سريع الزوال، والقلوب لا تعرف الخصام الطويل.
لو اختلفوا نهارًا، تصالحوا على تمر الإفطار.
كان السؤال عن بعضنا واجبًا ومحبة، لا مجاملة ولا “رسالة واتساب”.
اليوم تغيّرت أشياء كثيرة.
البيوت أصبحت أضيق — ليس في المساحة، بل في القلوب.
واللمة أصبحت نادرة، والاعتذارات كثيرة.
كلٌ مشغول بحياته، بهاتفه، بمشكلاته، أو حتى براحة باله.
صرنا نؤجل الزيارة، ونختصر السؤال، ونستثقل العتاب.
لم تعد الأخوّة كما كانت، ولا صلة الرحم كما عرفناها.
الأعمام، الأخوال، العمّات، الخالات… كلٌ له عالمه الخاص.
هل تغيّر الزمن أم تغيّرت النفوس؟
ربما الزمن لم يخطئ في حقنا،
ربما نحن من تركنا البساطة خلفنا.
زمان لم يكن لديهم الكثير…
لكن كان لديهم بعضهم البعض.
واليوم لدينا كل شيء تقريبًا…
إلا دفء القلوب كما كان.
يوم من بتوع زمان
كل واحد فينا يشتاق ليوم من أيام زمان:
لمة على سجادة بسيطة،
صوت ضحك يملأ البيت،
طبق يدور على الجميع،
وقلب لا يحمل شيئًا على أحد.
رمضان ما زال يأتي كل عام،
لكن اللمة لا تعود إلا إذا أعدناها نحن.
فربما أجمل عبادة في رمضان ليست فقط الصيام…
بل إعادة القلوب إلى بعضها.

لــمــة الــــعــيـــلة فـــي رمـــــــضـــــــان… حـــــيـن كــــان الــبـيـــت يـتـــّســـع للــــجـــمـــــيـــــع
اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

