محمد عبد اللطيف بين “طموح الميدان” و”مطرقة الواقع”
محمد عبد اللطيف بين “طموح الميدان” و”مطرقة الواقع”: قراءة في دفاتر التعليم المصري الجديد
بقلم: أحمد المطعني
منذ اللحظة الأولى لتوليه الحقيبة الوزارية، لم تكن وزارة التربية والتعليم بالنسبة للسيد محمد عبد اللطيف مجرد “مكتب وقرار”، بل كانت “ميداناً ومعركة”. وبشعار “لا يكل ولا يمل”،
استطاع الوزير أن يحرك المياه الراكدة في ملفات ظلت لسنوات طويلة طي التأجيل والوعود.
ولكن، وبينما تسجل التقارير الرسمية إنجازات رقمية لافتة، يبقى السؤال في الشارع المصري:
هل لامست هذه التحركات نبض البيوت المصرية، وكيف يرى “مثلث التعليم” (الطالب والمعلم وولي الأمر) هذا التغيير على أرض الواقع؟
“وزير الميدان”.. حين تسبق الأفعالُ الكلمات
لا يمكن لمنصف أن ينكر أننا أمام تجربة إدارية مغايرة؛ فالسيد محمد عبد اللطيف انتهج سياسة “الجولات المفاجئة” التي تسبق خيوط الفجر، محاولاً جس نبض المدارس في أبعد القرى والنجوع. هذا التحرك الميداني أثمر عن قرارات “جراحية”
لم يجرؤ عليها الكثيرون، وعلى رأسها مواجهة غول “الكثافة الطلابية” عبر حلول غير تقليدية، واستغلال كل فراغ متاح في الأبنية التعليمية،
وهو ما نال استحسان أولياء الأمور الذين شعروا لأول مرة أن أبناءهم بدأوا يجدون “مقعداً آدمياً” للجلوس، ومناخاً يسمح بالاستيعاب بعيداً عن زحام الفصول المكدسة.
هيكلة المناهج: بين “فلسفة التركيز” و”تخوفات الهوية”
جاء قرار إعادة هيكلة الثانوية العامة وتقليص المواد من (7 مواد إلى 5) كطوق نجاة للطالب الذي كان يغرق في بحر من الحشو والتشتت .
* من منظور الطالب: هي فرصة ذهبية للتركيز وزيادة جودة التحصيل بدلاً من الكم المرهق.
* من منظور ولي الأمر: هي تخفيف مباشر للعبء المادي والنفسي، وتقليص لعدد “سناتر الدروس” التي تستنزف الميزانية.
* من منظور المعلم: وجد في تقليص المنهج فرصة لاستعادة “وقت الحصة” الضائع، ليمارس دوره التربوي بدلاً من اللهاث خلف إنهاء المناهج الطويلة.
ومع ذلك، يبرز التحدي في “البكالوريا المصرية” والبرمجة؛ حيث يتساءل البعض: هل تسبق طموحات الوزير الرقمية واقع المدارس المتهالك؟ وهل تحتمل بنية الإنترنت والكهرباء أحلام “البرمجة اليابانية” في قرى مصر؟
معركة الهيبة.. المعلم بين “التقييمات” و”ورق التفتيش”
إن العودة للمدرسة كانت هدفاً استراتيجياً للوزير، وقد نجح في ذلك عبر تفعيل “أعمال السنة” والتقييمات الأسبوعية.
* ولي الأمر: يراها “قيداً” أعاد ابنه للفصل، لكنها تضمن استمرار المذاكرة.
* المعلم: استعاد هيبته وسلطته التعليمية داخل الفصل، لكنه في المقابل يشكو من “مطاردة الورقيات”؛ فالمعلم اليوم يجد نفسه مكبلاً بمطالب لجان التفتيش لإثبات أدائه ورقياً، مما قد يسرق وقت الشرح الفعلي.
* الطالب: يرى في التقييمات المستمرة “سباق درجات” لا ينتهي، قد يقتل أحياناً متعة المعرفة ويحول التعليم إلى “مطاردة” يومية.
المدارس الدولية وتعريب الهوية
في خطوة وطنية بامتياز، جاء قرار إلزامية اللغة العربية والتاريخ في المدارس الدولية ليقطع الطريق على “تغريب” الأجيال الجديدة. ورغم تباين آراء الطلاب في البداية لصعوبة التكيف، إلا أن معلمي اللغة العربية اعتبروا القرار انتصاراً للهوية الوطنية، ورد اعتبار لمادة كانت مهمشة في هذه النظم.
الخلاصة: صراخ الأمهات أصدق من صدى التقارير
يا معالي الوزير، إن “الديناميكية” التي تتحرك بها الوزارة اليوم هي محل تقدير كبير، ولكن النجاح الحقيقي لا يقاس فقط بجداول الحضور الورقية، بل بـ “راحة البال” التي تدخل البيوت المصرية.
الأرض لا تكذب؛ والدروس الخصوصية لم تمت بل “تحورت” إلى شقق سكنية هرباً من الملاحقة، والكتب الخارجية ما زالت هي الحاكم بأمره لأن الطالب يبحث خارج المدرسة عما لم يجده داخلها بسبب ضيق الوقت.
ختاماً..
نحن أمام وزير “لا يكل ولا يمل”، ومحاولة شجاعة لتحريك المياه الراكدة. النجاح يحتاج لمواءمة بين “شهوة الأرقام” و”واقع الإمكانيات” ، نحن شركاء في الحلم، ورصدنا للسلبيات ليس إلا رغبة في أن تكتمل صورة النجاح.
مصر تستحق تعليماً يليق بتاريخها، وبجهدكم المخلص ووعي المواطن، سنصل يوماً لنقول: “لقد فعلناها.. وتعلم أولادنا حقيقةً”.
محمد عبد اللطيف بين “طموح الميدان” و”مطرقة الواقع”
اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


