
مساحة أمان
غدير محمد وليد عبارة
كان قلبها مثل الغرفة الصغيرة في بيت قديم ،ضيّقة، لكن دافئة
باهتة الجدران، لكنها تعرف صوت الصمت وتحفظه
لم تكن تطلب الكثير، فقط زاوية لا تُنتَهك، حضن لا يُهدَم، ويد لا تهتز!
منذ أن كانت طفلة، كانت تجلس خلف الباب، تراقب صراخ الكبار يتطاير كالشظايا،تحصي نبضاتها كأنها تُقنع نفسها بأنها ما زالت على قيد الحياة.
كانت تحلم بمكان لا يُرفع فيه الصوت، ولا تُرفع فيه الأيدي،
مكان لا يُطفأ فيه الضوء فجأة، ولا يُكسر فيه القلب عمدًا!
كانت تنسى أن تطلب الألعاب، وتخجل من أن تبكي
فالبكاء في بيتها كان يُقابَل بالصمت، أو بنظرة تنهر، أو بكلمة تجرح أكثر مما تُواسي،كانت تتعلّم كيف تُخفي ألمها، وتنسج حول قلبها قوقعة من “أنا بخير” حتى لا يقترب منها أحد.
حين كانت في السادسة، دخلت المدرسة لأول مرة بوجه لا يشبه الأطفال،الدفتر بين يديها كان مرتبًا… لكن نظراتها كانت فوضى
سألتها المعلمة ذات يوم:
https://masaaraby.com/?p=353358&preview=true
– “لماذا لا تضحكين يا صغيرتي؟”
ولم تكن تملك إجابة، فقط طأطأت رأسها وهمست:
– “أنا أكتب أحسن من الضحك.”
ومنذ ذلك الحين، صار القلم صديقها الوحيد
تكتب لتتوازن
تكتب لتتذكّر من تكون
تكتب لتنسى مَن جعلها لا تكون!
كبرت وهي تكتب في دفاتر مهترئة
“أنا بخير… حتى لو لم يسألني أحد.”
وكانت تقف أمام المرآة، تهمس لنفسها كل ليلة
“أنتِ مساحة أمان… لا تجعلي أحدًا ينهيك.”
كبرت مثل شجرة تنمو في الظل، تميل للنور لكن لا تجرؤ على الخروج….
في الثانوية، كانت تراقب البنات يضحكن، يتهامسن، ينسجن صداقات عابرة أو عميقة…
لكنها ظلت في المقعد الأخير، تستمع أكثر مما تتكلم، تراقب أكثر مما تعيش! مازالت تذكر اليوم الذي جاءت معلمة الأدب وطلبت من الطالبات كتابة نص بعنوان: ” ما الذي يُشبهك؟”
فكتبت ، أنا أشبه النافذة في ليلة عاصفة…
الناس يمرّون بقربي، يرون المطر يتساقط، ولا يعرفون أنني من الداخل أذوب،أشتاق لأحد يطرق الزجاج بلطف، لا ليكسرني، بل ليسأل: “هل أنتِ بخير؟”
https://www.facebook.com/groups/2004366466535948/?ref=share&mibextid=NSMWBT
ولأول مرة، بكت المعلمة بعد قراءة نص لتلميذتها
ولأول مرة، شعرت أن أحدًا فهمها دون أن تشرح شيئًا
لكنّ المعلمة رحلت….
مرت السنوات….
وجاءت الجامعة كما يُقال: “مرحلة اكتشاف الذات”
لكنها لم تكن تبحث عن ذاتها، بل عن زاوية تتنفس فيها دون قلق، دون صوت عالٍ، دون خوف من الرفض! في الجامعة، لم تكن جميلة كما تصفها النساء،
لكن عينيها كانت تقولان ما لا يجرؤ القلب على قوله
عيناها لا تلمعان… بل تشعّلان فيك الرغبة أن تقترب، ثم الرغبة أن تبتعد فورًا!
فيها شيء من الندى، وشيء من الرماد.
شيء من القصيدة، وشيء من التابوت.
في الجامعة، وجدَت صوتًا يشبه صوتها، وجدت شابًا يكتب الشعر على حواف دفاتره، ويقرأ بصوت خافت كأنّه يخاف أن يوقظ حزنه.
شاب يرتدي الأسود كثيرًا، يقرأ لنزار قباني، ويكتب شذرات لا تُفهم إلا بقلبٍ مجروح!
قال لها يومًا
” أنتِ ما بين السكون والعاصفة…
وفيكِ مساحة لا يصل إليها أحد إلا إذا أغمض عينيه”
فقالت:
“”أخاف الذين يغمضون أعينهم، لأنهم لا يرون جيدًا، وقد يؤذون دون أن يقصدوا.”
ذات يوم قال لها:
“أريدكِ كما تكون النوافذ في الشتاء، باردة من الخارج، دافئة من الداخل.”
فابتسمت لأول مرة دون أن ترتجف شفتيها!
ضحك ، لكنّه فهمها،ومن هناك بدأت الحكاية…. ومن يومها، صار
يجلس قريبًا منها بما يكفي أن يسمع أنفاسها، وبعيدًا بما يكفي أن لا يثير ارتباكها.
قال لها بعد أسابيع من الحذر: “أشعر أنني أحبك، لكن لا أعرف إن كنتِ تحبين أحدًا، أو حتى قادرة على الحب”
فأجابت بصوت يشبه انكسار الموج: – “أنا لا أخاف الحب”
“أنا أخاف أن يعبر أحدهم حدودي، ثم يرحل، ويتركني أنظف الركام وحدي.”
كان يقرأ نصوصها المخبأة في دفاترها بخجل، يقول لها:
– “أنتِ تكتبين كما لو أنكِ تنقذين نفسك من الغرق.”
فترد: “أكتب كي لا أموت وأنا أبدو حيّة.”
ولأنّ الحياة لا تُهادن الحالمين، رحل فجأة، بلا رسالة وداع، بلا تبرير، فقط صمتٌ يشبه اختفاء الضوء عند انقطاع الكهرباء.
لم تسأل عنه… لم تبحث، فهي تعلم جيدًا ماذا يعني أن تفرش قلبك لأحد ثم لا يعود!
لكنها كتبت له ذات مساء
لا بأس… كنتَ زائرًا في فصلي القصير
وأنا من البداية، لاأثق بالمواسم!
رحل عنها بصمت يشبه أول لحظة خذلان
ترَك وراءه قصيدة ناقصة، وحروفًا تنزف
لكنها لم تنهار…
بل جلست مساء ذلك الفقد، أشعلت شمعة، وكتبت في دفترها الجديد
“ليست المساحة ما يُمنَح… بل ما نخلقه”
من الألم… من الذكرى… من النبض الذي يرفض أن يموت”
وتوالت الأيام ،كانت كلما دخلت غرفة جديدة، بحثت عن الجدار الأقرب، الزاوية الأبعد، والنافذة إن وُجدت
الزوايا تعرفها جيدًا…
هي التي حفظت تنهّداتها، اختبأت فيها من الأصوات المرتفعة، ومن العيون التي تُشبه أبوابًا موصدة!
لم تكن خجولة، بل كانت حذرة
الفرق بينهما أنها كانت تعرف تمامًا ماذا يعني أن تمنح قلبك لمن لا يحمله بلطف!
كانت طفلة ترتّب مشاعرها مثل ترتيب ألعاب الآخرين،
تنظفها، تمسح عنها الغبار، ثم تضعها على رفٍ بعيد
حتى لا تُكسر.
كانت تحفظ الليل أكثر من النهار
الليل وحده كان يسمع صوت بكائها دون أن يسأل.
والقمر، في خيالاتها، لم يكن شاهدًا على وجعها، بل مرآة تبكي معها بصمت.
في ليالٍ كثيرة، كانت تكتب في دفتر صغير تحت الوسادة
لو كنتُ شجرة، لطلبت من الريح ألّا تمرّ.
ولو كنتُ غيمة، لبكيت على نافذتي فقط.
لكنني إنسان… أحتاج حضنًا لا يفسّر ألمي، بل يضمّه!
مرت سنوات…
تغيّرت كثيرًا، نضجت كما تنضج النار في الحطب
أصبحت أما ،لم تكن فقط أما … بل كانت ظلًا ناعمًا، ونبضًا لا يخاف أن يقول: “أنا هنا، ولن أرحل.” .
وذات مساء، وهي تحضن طفتها الخائفة قالت لها:
– “أنا أخاف من كل شيء.”
فردّت ، بابتسامة دافئة لا تشبه شيئًا من ماضيها
تعالي… هنا مساحة أمان!
كلنا نخاف، لكننا لا نترك بعضنا!
لكن المساحات الآمنة لا تُعطى بسهولة
فالخائف يبني جدرانًا قبل أن يزرع الورود
والقلب حين يعتاد الهدم، لا يعرف كيف يصدّق البناء؟
ومنذ ذلك المساء، كانت كلما ضاقت بها الأرض، عادت إلى مرآتها،
وقالت لنفسها بنفس الطمأنينة القديمة:
“أنا مساحة أمان… وإن لم أجدها، سأكونها.”
في ذلك المساء، جلست أمام النافذة التي اعتادت أن تنظر منها للعالم،
لكن اليوم كانت مختلفة…
لم تعد تبحث عن مأوى في الزوايا، ولم تعد تخاف من الضوء الذي يتسلل عبر الزجاج.
السماء كانت مرآة لمشاعرها، صافية، بلا غيوم ثقيلة،
كما لو أنّ كلّ العواصف التي هبت في قلبها قد تلاشت، تاركة وراءها فراغًا من السلام.
لم تعد تخاف أن تحب، أو أن تُحبّ
تعلّمت أنّ المساحة التي تحميها ليست جدرانًا، بل قلبها الذي صار بيتًا لكل ما هو حي، لكل ما هو ضعيف، لكل ما يستحق أن يُحتضن.
ابتسمت بهدوء، وأخرجت دفترها القديم، فتحت صفحة كتبت فيها قبل سنوات : أنا مساحة أمان … وإن لم أجدها ، سأكونها..”
اليوم، صارت حقيقة، ليست فقط كلمات تُقال أو تُكتب،
بل حياة تُعاش بكل نبضة، بكل نفس.
نظرت إلى الأمام، حيث الطريق يمتد بلا نهاية، وعرفت أن كل خطوة فيها مكانها، وأن السلام الذي بحثت عنه، كان بداخلها ينتظرها
أصبحت الآن أكثر من مجرد فتاة تبحث عن أمان.
كانت هي المساحة، هي الحضن، هي الضوء الذي لا يخاف من الظلام.
وفي دفترها القديم، كتبت آخر صفحة
ربما لم يكن لي وطن، ولم يكن لي حضن،
لكنني بنيت بيتًا داخل قلبي،
لا يطرقه أحد إلا من يستحق
وأنا الآن… مساحة أمان!….” “
الجمعة 18 / 7 / 2025
مساحة أمان
غدير محمد وليد عبارة
اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.