
معرض الكتاب.. الزحام الذي يُقاس بالوعي لا بالأقدام
الزحام في معرض الكتاب ليس دليلًا على أننا شعب يقرأ بقدر ما هو علامة على شيء أعمق بكثير… علامة تقول إن علاقتنا بالمعرفة ما زالت حيّة، حتى لو اختلفت أشكالها ودرجاتها.
في كل عام يتكرر السؤال ذاته: هل ما زلنا نقرأ؟
وربما السؤال الأدق: كيف نقرأ؟ ولماذا؟ وما الأثر الذي تتركه القراءة فينا؟
في ظاهر المشهد، يبدو معرض الكتاب مساحة للضجيج: طوابير، حقائب ممتلئة، صور تملأ مواقع التواصل. لكن في عمقه حكاية أخرى أكثر هدوءًا، حكاية وعي يتشكل ببطء، لبنة فوق لبنة، بعيدًا عن صخب البيع والشراء.
معرض الكتاب ليس مجرد فعالية ثقافية عابرة، بل محطة قصيرة في رحلة طويلة اسمها “الوعي”. وقيمته الحقيقية أنه يكسر فكرة أن الثقافة حكر على النخبة. هنا ترى الجميع: الصغير والكبير، القارئ القديم والمبتدئ، الباحث عن المعرفة والباحث عن الفضول. كل شخص يدخل باحثًا عن شيء يشبهه، عن فكرة تمسّه، عن كتاب يتحدث بلغته. وهذا في حد ذاته شكل من أشكال الوعي: أن تدرك أن المعرفة ليست طريقًا واحدًا ولا قالبًا واحدًا.
ليس مطلوبًا أن يخرج كل زائر مثقفًا موسوعيًا.
هناك من يشتري كتابًا واحدًا ويقرأه على مهل،
ومن يأتي بدافع الفضول،
ومن يحاول استعادة علاقة قديمة مع القراءة ظنّ أنها انتهت.
فالوعي لا يولد دفعة واحدة، ولا يُصنع في ندوة أو حفل توقيع. غالبًا يبدأ بسؤال بسيط، أو جملة علِقت في الذهن، أو كتاب صادف توقيته لحظة احتياج داخلي.
وربما أجمل ما في معرض الكتاب ليس عدد العناوين ولا أسماء الكُتّاب، بل تلك المشاهد الإنسانية الصغيرة:
أب يمسك يد ابنه محاولًا أن يزرع داخله بذرة،
شاب يقف مترددًا أمام رف طويل لا يعرف من أين يبدأ،
فتاة تقلب صفحات كتاب كأنها تختبر نبضه قبل أن تمنحه وقتها.
هذه التفاصيل تخبرنا أن القراءة ليست فعلًا نخبويًا ولا قرارًا لحظيًا، بل رحلة تدرّج ومحاولات صغيرة تتراكم دون أن نشعر.
مشكلتنا أحيانًا أننا نقيس الوعي بمقاييس خاطئة: عدد الكتب، صعوبة العناوين، أو أسماء المفكرين الذين نقرأ لهم. بينما الحقيقة أن الوعي أوسع من ذلك بكثير. قد يبدأ من كتاب بسيط، أو عنوان أثار الفضول، أو غلاف لامس شيئًا في الداخل. لا يوجد ترتيب إجباري للمعرفة، ولا طريق واحد إليها.
أحيانًا فكرة واحدة في فصل واحد قد تكون بداية وعي جديد،
وأحيانًا كتاب واحد يفتح بابًا تتبعه أبواب.
وكل تجربة قراءة — مهما بدت بسيطة — هي خطوة للأمام.
معرض الكتاب لا يقدّم وعيًا جاهزًا، لكنه يفتح مساحة “احتمال”:
احتمال أن يجد شخص كتابًا يغيّر نظرته،
أو يدفعه فقط لمراجعة مسلّمات عاش بها طويلًا.
والشك هنا ليس سلبًا، بل أول إشارات الوعي الحقيقي.
المعرض يكشف أيضًا علاقتنا المربكة بالمعرفة:
إحساس البعض بالذنب لأنهم لا يقرأون كفاية،
وحرص آخرين على الظهور بمظهر القارئ.
لكن وسط هذا كله، هناك زائرون هادئون يخرجون بكتاب واحد فقط — أو حتى دون كتب — لكنهم يحملون سؤالًا جديدًا، أو رغبة مؤجلة، أو وعدًا صغيرًا بالعودة إلى القراءة.
معرض الكتاب ليس مقياسًا نهائيًا لوعينا،
لكنه تذكير سنوي بأن علاقتنا بالمعرفة لم تنقطع، بل تبحث عن فرصة لتتجدد.
والفرصة الحقيقية لا تكون داخل قاعات المعرض…
الفرصة الحقيقية في ما نفعله بعد أن نغادره.

معرض الكتاب.. الزحام الذي يُقاس بالوعي لا بالأقدام
اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.