ساعى البريد . شعر آفين حمو

 

كنت أسمع وصوله 

برنته على جرس دراجته عند المنعطف

رجل موروث بالابتسامة 

وضيف يترك شقاءه يرحل عند كل باب 

بمظهره الأنيق وصوته المهذب 

أركض لابشر العائلة بوصوله فازدان بالنياشين والمحبة والقبلات 

يحمل حقيبته السوداء فيخيل لنا بأنه يحمل أفئدتنا ونخاف عليها من السقوط أو الأتساخ 

يخرج الظرف في بحر من العيون المحيطة به 

ولأن جدتي لم تكن تعرف القراءة 

كان ساعي البريد يقرأ لها 

كأنه ينقب عن آثار المرئين والغائبين عن البيت 

يفتح الرسالة فينفتح الضوء وينعكس على الوجوه الغبطة والبشاشة

فيخلق معزوفة خاصة بهم 

تطير العصافير والفراشات من الأفئدة 

ويخرج” أحلام الشتاء” لتشايكوفسكي فتخرج الأرواح راقصة وتطير 

يتمعن في وجوه الجالسين 

ليبعث الأمل لأرواح معذبة مكلولة

لم يكن ينزعج أو يتضايق أبداً لوجود الصغار ونحن نطوف حوله 

اما جدتي فلم تكن تستحي وهي تبسط أطرافها على آخره أمامه 

وهي تحدثه عن معاناتها مع آلام المفاصل وخشونتها في الحركة 

بينما هو يخلع نظارته ويرتشف الشاي 

وتتداخل دخان سيجارته مع ظلالنا الصغيرة 

ويبدأ بتلاوة الرسالة وضبط محتواها وجيناتها الوراثية حسب ذوقه 

فيمنح نساء البيت مساحة ليهدهدن أو أن تفر الدموع من أعينهن كطيور حبيسة دون رجعة

يمرح بشهقاتهن ورقصهن أحيانا أخرى 

اما نحن فكنا نحلق مع كلماته إلى البعيد البعيد جدا 

نتأمل قسمات وجهه وهالته النورانية 

نقود معارك ولا نعرف الهدنة 

لنصطف أمامه ونتمايل في مقام عشق مع كلماته

أما أنا كقطة صغيرة كنت أتمسح بقدم جدتي 

وأتامل عيناه

فعيناه كانت حصتي لوحدي

عيناه الصافيتان كالسماء أصطلمتا نفسي 

كانتا تغرقني في دفئهما 

فعيناه كانت كفيلة أن توقظ الحجر من سباته بعزفه 

كان ساعي البريد هذا 

كمن يحمي ورودا في العاصفة 

يحبس الكلمات السيئة في حضنه 

ويوزع الحب بدلا عنها 

فليس خسارة أن يوزع الكلام الجميل على أهل البيت الطيبين 

الذين ما بخلوا عليه يوما ما 

بتقديم الطعام إليه بعد الأنتهاء من قراءة الرسالة في ساحة البيت 

أو أعطاءه بيضا ،حليبا

 أو نقودا ليسعد أسرته المنتظرة قدومه 

ساعي البريد الذي أصبح مع مرور الوقت 

فردا من افراد العائلة 

 أصبح بمثابة الأبن الغائب 

الذي ينسى الحزن في الناي

والغربة في السفر 

يتذكر سؤال أحوال الأحبة في جنة العائلة 

ويصغي لحكايات الحب في القلوب وهي تركض في يوما شتوي تحت أشعة الشمس الدافئة

 1,309 إجمالي المشاهدات

عن elmessaa0elaraby

شاهد أيضاً

لا زم تنسي اللي نسيوك 

    كتب إبراهيم عيسى لا زم تنسي اللي نسيوك   لازم تنسي اللي نسيوك  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *