هل تمتد الحرب الروسية إلى اسكندنافيا

 

 

بقلم : يوحنا عزمي

 

رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الألماني ميشائيل روت استبق جلسة مشاورات وزراء خارجية الناتو في برلين المقرر عقدها هذا الأسبوع للبت في أمر ضم فنلندا والسويد إلى حلف شمال الأطلسي ، بالدعوة إلى تقديم ضمانات أمنية صريحة لكلا الدولتين على خلفية توقعه أن رد الفعل الروسي على تلك الخطوة لن يخرج عن دائرة الخطاب العدواني والاستفزازات المؤكدة بحقهما. 

 

مقررا أيضا أن فنلندا والسويد يجب عليهما اعتبارا من هذه اللحظة الاعتماد على دعم ألمانيا ، التي تنتظر عملية تصديق سريعة وتحث في الوقت ذاته أكبر عدد من الشركاء داخل الناتو إلى حذو هذا الاتجاه ، من أجل دعم وتعزيز الجناح الشمالي الشرقي الافتراضي الجديد للحلف الأطلسي. 

 

وفق هذا السياق المحفز والمعلن ؛ تكون ألمانيا قد مضت قدما 

في اتجاه تتماهى فيه مع رؤية الولايات المتحدة وبريطانيا الخاصة بتعزيز مكانة الحلف، بالحرص على خروجه من هذا الصراع محققا مكاسب جيواستراتيجية مستدامة.  

 

الأمر ربما لن يذهب على النحو الذي يستعجله النائب الألماني

فهناك علاقة استثنائية خاصة تربط روسيا وفنلندا ، عبر ميراث تاريخي متخم بفصول التجاذب والتقارب ، أشهرها بالطبع الحرب المباشرة التي وقعت بينهما شتاء العام 1939، وفيها اجتاح ما يقارب نصف مليون جندي سوفييتي الأراضي الفنلندية ، بعد رفض الأخيرة الاستجابة لطلب جوزيف ستالين حينها بالتنازل عن جانب من أراضيها ومناطقها الاستراتيجية ، لمساعدة الاتحاد السوفييتي في الحرب ضد ألمانيا النازية. 

 

لم تنهزم فنلندا في هذه الحرب وصمدت وكبدت الجيش السوفييتي خسائر فادحة ، لكنها أيضا لم تحقق انتصار حتى 

أرغمت على توقيع معاهدة سلام موسكو في مارس 1940. 

 

من بعدها شغلت وقائع الحرب العالمية الثانية كلا الطرفين عن الآخر، لكن بقيت مساحات من الأراضي والممرات البحرية بحوزة روسيا بعد انتصارها الكلي في الحرب العالمية ، وظلت هناك علاقة ملتبسة مفعمة بالهواجس بين الطرفين، تجاوزتها هلسنكي باعلانها الحياد العسكري منذ حقبة الاستقطابات والحرب الباردة. 

 

فنلندا في هذه الخطوة لا تنقض سياستها التقليدية للحياد فحسب بل ربما ومعها السويد ذات الثقل في مجال التصنيع العسكري رغم حيادها السابق أيضا، باتا على اعتاب صياغة جديدة لمعادلات الأمن والردع في نطاق جغرافي لا يتصور أنه يقل أهمية لروسيا عن الجوار الأوكراني الذي شهد اشتعال الحرب بسبب العبث بمعطيات وضمانات أمنية لم يستجب فيه لمتطلبات موسكو. 

 

وهذا يفتح باب التساؤلات حول الرد الإستراتيجي الروسي على الأقل فيما يخص خريطة الانتشار العسكري المتوقعة لحلف الناتو والانتشار المضاد .. في منطقة تحقق ميزات نسبية هائلة بالنسبة للناتو فيما يخص السواحل على بحر البلطيق، ومنها إلى بحر الشمال الأكثر أهمية ، والذي يفتح الصراع الجاري لمدى، لا يتصور أن روسيا كان لديها استعداد مسبق لمثل هذا المتغير الكبير. 

 

ففيما يخص الحدود المشتركة بين فنلندا وروسيا التي تصل لنحو 1350 كم، هل ستحتمل موسكو أن تكون تلك الحدود الطويلة هي خطوط تماس اضافية لحلف الناتو معها ، ومتى يمكنها أن تتجهز للرد في ظل مؤشرات ترجح أن الحلف سيسارع بالموافقة على طلب انضمام فنلندا والسويد ، ربما بأسرع مما يمكن أن تشهر موسكو ما تلوح به ، كمعطل أو محذر في وجه كلتا الدولتين.

 

فالأرجح أن تتم الخطوة خلال الحرب الأوكرانية وليس بعدها ، في مراهنة على أن روسيا لن تغامر بفتح جبهات اضافية في ظل عدم الحسم والتعقيد الظاهر في أوكرانيا.

 

لذلك يتداول وزراء خارجية دول الناتو المجتمعين في برلين

فيما بينهم ضرورة تسريع خطوات انضمام الدولتين إلى الحلف 

التي تستغرق عاما كاملا في المسار العادي ، بل وبدأ سريعا فتح المباحثات مع تركيا ، باعتبارها الدولة الوحيدة التي أبدت تحفظا حول الموافقة على انضمام فنلندا والسويد. 

 

وإن بقيت المؤشرات حول هذا الأمر في اتجاه قدرة الدول 

الأعضاء على تجاوز العقبة التركية ، وهو ما أكد عليه نائب الأمين العام للحلف “ميركيا جيونا” معبرا عن ثقته أن عدم رضى أنقرة يمكن التعامل معه. 

 

فالمرجح أن تركيا من خلال هذا التحفظ ؛ تسعى للوصول إلى 

صفقة مع عديد من الدول الأعضاء ، لها مطالب معطلة لديهم 

قد يكون أوان انجازها قد حان على هامش حاجة الحلف للاسراع بانجاز تلك الخطوة ، وفق ما تدركه تركيا من أهمية ودقة ما سيحرزه الحلف بتغير خرائط تمدده على هذا النحو. 

 

فلن يكون مستغربا خلال أيام أن تنزاح الاشكاليات العالقة بين أنقرة وواشنطن، فيما يخص ملفات التسليح من جانب، وملفات عالقة منذ سنوات مثل سوريا وليبيا وربما العراق أيضا. 

 

كما سيكون هناك تعهد جاهز ربما من السويد وفنلندا ، بعدم تقديم أي من أشكال الدعم السياسي أو غيره لمجموعات مناهضة للنظام التركي مثل “حزب العمال الكردستاني”، أو قوات الحماية الكردية في سوريا.

 

روسيا حتى الآن؛ ردت بتحفظ على هذه الخطوة ووصفت الخطوة الفنلندية بالأخص أنها “خطأ” غير مبرر ، فليس لديها أية مخططات تجاه جارتها ، وإن ظلت تعتبر انضمامها تهديدا أمنيا استوجب منها التحذير من عواقبه .. هذا يقود بالضرورة لقياس وتقدير منسوب الخطورة المتوقعة على الفضاء الأوروبي ، في حال إتمام خطوة إنضمام الدولتين وفق سياسة “الباب المفتوح” التي تجد لها محفزين مثل بريطانيا ، التي ترى أن الحرب الروسية على أوكرانيا أكدت رؤيتها. 

 

هذا دفع بريطانيا مبكرا في الأسابيع الأولى من الصراع إلى تصميم والمشاركة بأطقم دباباتها في تدريبات مع لواء مدرع فنلندي ، جنبا إلى جنب مع القوات الأمريكية واللاتفية والإستونية ، كنمط من أنماط الردع لعدوان روسي محتمل على الدول الاسكندنافية ودول البلطيق. 

 

واليوم يلوح أمام الحلف فرصة كبيرة لتعديل ميزان القدرة العسكرية في الشمال الأوروبي لصالحه، فما يمكن أن ترد به روسيا إن قدرت الخطوة التي تبدو حاسمة وسريعة، باعتبارها تقنيا وعلى مقياس الجيواستراتيجي قد تكون أخطر وأبعد مدى مما كان يتهددها في أوكرانيا وذهبت للحرب الشاملة من أجله .

 830 إجمالي المشاهدات

عن اسماء ابراهيم

شاهد أيضاً

وزير الخارجية يلتقي وزير الدولة البريطاني لشئون شمال إفريقيا والأمم المتحدة

وزير الخارجية يلتقي وزير الدولة البريطاني لشئون شمال إفريقيا والأمم المتحدة

وزير الخارجية يلتقي وزير الدولة البريطاني لشئون شمال إفريقيا والأمم المتحدة   متابعة : فيفيان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *