الأمهات لا يُعلّمن أبناءهن كيف يجدون البحر، بل كيف يصنعونه حين يغيب
بقلم : بسنت صلاح عباس
الأمهات لا يُعلّمن أبناءهن كيف يجدون البحر، بل كيف يصنعونه حين يغيب

قلتُ: سأُبحر يا أمي.
لم تقل أمي: لا يوجد بحرٌ يا ابنتي.
لم تُطفئ الحلم بحقيقة المكان،
بل قالت بهدوء يشبه المعجزات:
اجلبي ألوانك، ولنرسم بحرًا وقوارب.
ما رأيك أن نصنع قاربًا من ورق،
ونجعله يُبحر في منزلنا؟
قفزتُ قائلة: مرحي… مرحي!
ولم أنسَ ذلك الحلم الذي أبحر في عرض قلبي قبل البحر.
وحين كبرتُ، وجدتُ ورقةً كانت في جيبي،
فوجئتُ ببحرٍ وقوارب،
وبعبارةٍ لأمي تقول فيها:
«لم أُبحر يا ابنتي،
لكنني حاولتُ أن أُبحر معك،
ولو على ورقة.
أؤمن أن الأنهار التي بداخلك
ستصل إلى البحر يومًا».
ومنذ ذلك اليوم، أدركتُ أن الأمهات لا يُعلّمن أبناءهن كيف يجدون البحر،
بل كيف يصنعونه حين يغيب.
أن الحلم لا يحتاج خرائط،
بل قلبًا يؤمن، و يدًا تمسك بيد صغيرة وترسم لها أفقًا.
كبرتُ، وكبرت الأنهار في داخلي،
تعلمتُ أن بعض الرحلات لا تبدأ من الموانئ،
بل من المطابخ الصغيرة،
من الأوراق البيضاء،
ومن أمٍّ اختارت أن تكون الريح حين لم يكن هناك شراع.
لم أصل إلى البحر بعد،
لكنني كلما تعبتُ، تذكّرتُ تلك الورقة،
وتذكّرتُ أن من آمن بي أولًا
لم تكن تنتظر أن أُبحر وحدي،
بل أن أصدق أن البحر ينتظرني.
وها أنا أمشي،
بنهرٍ في صدري،
وبقاربٍ من ورقٍ قديم،
أعرف الآن أن الرحلة التي بدأت في حضن أمي
لن تنتهي عند الشاطئ،
بل عند المعنى.
ومع السنين، فهمتُ أن تلك الورقة لم تكن ذكرى طفولة، بل كانت وصيّة حياة.أن أمي لم تكن ترسم بحرًا،
كانت ترسمني أنا،
أضع قدميّ على خطٍّ من أمل،
وأتعلّم كيف لا أخاف من المسافات.
علّمتني دون درسٍ مباشر
أن الأحلام التي لا تجد طريقها في الواقع
تصنع لنفسها واقعًا آخر،
وأن الفقر في الأشياء
قد يُنجب غِنى في الروح.كلما ضاق بي الطريق،
عدتُ إلى ذلك القارب الورقي،
لا لأركبه،
بل لأتذكّر:
أنني نجوتُ يومًا من الغرق
بفكرةٍ… وبأم.
اليوم، حين أرى طفلةً تقول: سأُبحر،
لا أضحك،
ولا أبحث لها عن بحر،
أبحث لها عن أمٍّ
تؤمن أن في صدرها نهرًا،
وفي قلبها شاطئًا ينتظر.
فبعض الأمهات لا يربّين أبناءهن ليصلوا، بل ليتعلموا كيف يسيرون
حتى لو طال البحر.
ثم عرفتُ أن الأمهات لا يورّثن أبناءهن الأشياء،
بل يورّثنهم الجرأة على الحلم.
أن يد أمي وهي تمسك باللون الأزرق
كانت تمسك بمستقبلي دون أن تدري، وأن كل موجة رسمتها
كانت تقول لي بصمت:
لا تخافي… العالم أوسع مما ترين.
كبرتُ،
وصار البحر أكثر تعقيدًا،
لم يعد ورقةً سهلة الطيّ،
ولا قاربًا يطفو في حوض ماء،
صار امتحانًا،
وصار انتظارًا،
وصار خوفًا من الغرق وأنا أبتسم.
لكن كلما هممتُ أن أعود،
سمعتُ صوتها القديم في داخلي:
اجلبي ألوانك… ولنرسم.
ففهمتُ أن الرسم لم يكن هواية،
بل طريقة نجاة،
وأن الخيال ليس هروبًا من الواقع،
بل تدريبٌ طويل على احتماله.
اليوم، لا أحمل ورقة في جيبي،
لكنني أحمل أمي في قلبي،
كلما ضاقت بي الحياة
مددتُ لها صفحةً بيضاء،
وقالت لي كما قالت قديمًا:
البحر لا يأتي دائمًا…
أحيانًا نصنعُه.
الأمهات لا يُعلّمن أبناءهن كيف يجدون البحر، بل كيف يصنعونه حين يغيب
اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

