مقالات ووجهات نظر

الشرق الأوسط على صفيح ساخن ومصر ركيزة الاستقرار فى المنطقة.

بقلم/إسماعيل يسرى 

الشرق الأوسط على صفيح ساخن ومصر ركيزة الاستقرار فى المنطقة.

الشرق الأوسط على صفيح ساخن ومصر ركيزة الاستقرار فى المنطقة.

من يتحسس خريطة الشرق الأوسط اليوم يدرك أن هذه الرقعة من العالم تعيش فوق صفيح ساخن لا يبرد حروب مشتعلة

وأخرى كامنة تحت الرماد أطماع تتجدد وتحالفات تتبدل وسيناريوهات تكتب في العلن والخفاء

ووسط هذا المشهد المضطرب تبرز مصر كركيزة توازن ومركز للأمن والأمان في منطقة تتقاذفها العواصف

منذ عام 2015 كان الرئيس عبد الفتاح السيسي يقرأ المشهد الإقليمي بعين خبرته ورؤيته الثاقبة فى دهاليز السياسة وبحس من يدرك أن النار تقترب من البيت العربي قطعة بعد أخرى في خطاباته آنذاك لم يتردد في دق ناقوس الخطر والدعوة صراحة إلى إنشاء جيش عربي موحد قادر على مواجهة التهديدات الوجودية التي تحيط بالعالم العربي

إرهاب عابر للحدود جماعات مسلحة مدعومة من قوى إقليمية ومحاولات ممنهجة لتفكيك الدول الوطنية ولم تكن تلك الدعوة مجرد شعار حماسي بل تعبيرا عن إدراك مبكر بأن المنطقة مقبلة على مرحلة إعادة رسم خرائط النفوذ

وفي الخلفية كانت الحروب الأهلية في بعض الدول العربية تتحول إلى ساحات صراع إقليمي ودولي بينما تتحرك قوى مثل إيران والكيان الصهيوني بحسابات معقدة تستثمر في الفوضى حيناً وتناور سياسيا وعسكريا حيناً آخر بحثا عن مكاسب استراتيجية جديدة

الكيان الصهيوني الذي لم يخف يوما أطماعه التاريخية في الأرض العربية وجد في تفتت بعض الدول وهشاشة أخرى فرصة نادرة لإعادة ترتيب أولوياته

تطبيع مع بعض العواصم محاولات لفرض وقائع جديدة على الأرض وتوسيع هامش الحركة العسكرية والأمنية تحت لافتة الدفاع عن النفس

لكن ما بين السطور يبقى السؤال هنا 

إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا الكيان في توظيف أزمات المنطقة لصالحه دون أن يدفع الثمن في لحظة تحول كبري. 

وفي المقابل تواصل إيران اللعب على حافة التوازنات الدقيقة تمدد نفوذها عبر أذرع مسلحة هنا وهناك وتتقدم في ملفات وتناور في أخرى لتفرض نفسها لاعبا لا يمكن تجاهله في أي معادلة تخص أمن الخليج أو المشرق العربي

لكنها في الوقت نفسه تحيط نفسها بشبكة خصومات إقليمية ودولية تجعل مستقبل نفوذها مهما بدا راسخا محكوما بتقلبات السياسة والأمن وموازين القوى

مصر بين الردع والحكمة

ففي قلب هذه الدوامة اختارت مصر طريقا مختلفا ولا انجرار إلى حروب عبثية ولا انكفاء داخل الحدود بل تمركز محسوب في موقع الضامن للاستقرار قدر الإمكان والوسيط عندما تستدعي الضرورة والقوة الرادعة لمن يفكر في الاقتراب من أمنها القومي

منذ وصوله إلى سدة الحكم تعامل الرئيس السيسي مع ملف الأمن القومي بمنطق الرؤية طويلة المدى مستندا إلى عدة مرتكزات واضحة

جيش قوامه الردع لا المغامرة

أعاد الجيش المصري تموضعه ليصبح قوة إقليمية كبرى ذات جاهزية عالية لكنها منضبطة سياسيا واستراتيجيا جيش لا يذهب إلى الحروب

لمجرد الاستعراض لكنه يبعث برسائل واضحة بأن حدود مصر وخطوط أمنها الحمراء ليست مجالا للتجربة أو الاختبار

تنويع مصادر السلاح قرار استراتيجي

في عالم تعيد فيه القوى الكبرى حساباتها وتحالفاتها أدركت القيادة المصرية أن الاعتماد على مصدر واحد للسلاح قد يتحول إلى نقطة ضعف خطيرة

لذلك اتجهت القاهرة إلى تنويع شركائها العسكريين عبر صفقات تسليح مع روسيا وفرنسا وألمانيا والصين والولايات المتحدة لتصبح منظومة التسلح المصرية أكثر توازنا وتعقيدا وأقل عرضة لأي ابتزاز سياسي محتمل

هذه السياسة لم تكن مجرد شراء أسلحة متطورة بل جزءا من عملية تحديث شاملة شملت

قواعد جوية وبحرية جديدة تطوير الأسطول البحري تعزيز قدرات الدفاع الجوي وبرامج تدريب مشتركة مع جيوش متعددة المدارس العسكرية

الأمن القومي المصري مفهوم يتجاوز الحدود            فقد أعلنت مصر بوضوح أن أمنها القومي لا ينحصر داخل حدودها الجغرافية

فمن ليبيا غربا إلى السودان والبحر الأحمر جنوبا إلى شرق المتوسط وغزة وسيناء وصولا إلى أمن الخليج العربي ترى القاهرة أن أي اهتزاز خطير في هذه الدوائر سينعكس مباشرة على استقرارها الداخلي

لذلك لم تكن مواقف مصر من أزمات المنطقة حيادية باردة بل قائمة على حسابات دقيقة

دعم استقرار الدول الوطنية رفض تقسيم أي دولة عربية التمسك بحل عادل للقضية الفلسطينية والتحذير المستمر من تحويل المنطقة إلى ساحة حروب بالوكالة

 

التوازن بين الحزم والمرونة

وتجلت حكمة القيادة المصرية في القدرة على الإمساك بالخيط الرفيع بين الحزم العسكري والمرونة السياسية رسائل حاسمة عندما يكون التهديد مباشرا ولغة دبلوماسية عندما يكون الباب مفتوحا للحلول السياسية

وفي التعامل مع إسرائيل حافظت القاهرة على دورها التاريخي كضامن رئيسي للتهدئة في غزة مع تمسكها بموقف واضح

لا يمكن تحقيق أمن حقيقي في المنطقة دون حل عادل للقضية الفلسطينية ودون وقف الاعتداءات على الحقوق العربية

البيت العربي وحلم الجيش الموحد

الدعوة إلى إنشاء جيش عربي موحد عام 2015 لم تكن فكرة عابرة بل تعبيرا عن إدراك بأن العالم يتجه إلى تكتلات كبرى وأن الدول العربية إذا بقيت جزرا متناثرة فستتحول أراضيها إلى ساحات لتصفية الحسابات الدولية

ورغم أن الفكرة لم تتحقق بعد بصيغة مؤسسية كاملة فإنها أسست لفهم جديد يقوم على ضرورة الحد الأدنى من التنسيق العسكري والأمني العربي عبر

تبادل المعلومات الاستخباراتية

المناورات العسكرية المشتركة

تنسيق المواقف في القضايا الإقليمية الكبرى

ومع كل موجة اضطراب جديدة في المنطقة تعود هذه الفكرة إلى السطح وكأنها تستدعي نفسها من جديد

شرق أوسط يغلي ومصر في قلب المعادلة

واليوم يبدو الشرق الأوسط ساحة صراع طويل النفس

إيران تواصل تموضعها في خرائط النفوذ

الكيان الصه-يوني يسعى لتثبيت مكاسب فوق أرض مهتزة

القوى الدولية تتنافس على الموانئ والممرات البحرية وموارد الطاقة

وفي المقابل تترقب الشعوب العربية

هل تكون هذه المرحلة جسرا نحو استقرار جديد أم منعطفا إلى فوضى أشد؟ 

ووسط هذا المشهد الملبد تبقى مصر بثقلها السكاني والعسكري والتاريخي حجر الزاوية في معادلة الاستقرار الإقليمي دولة إذا اهتزت اهتزت المنطقة وإذا تماسكت منحت محيطها هامشا من الأمان

وربما لهذا تبدو القاهرة اليوم رغم التحديات الاقتصادية والضغوط الإقليمية مصممة على تثبيت صورتها كمركز للأمن والاستقرار في شرق أوسط يغلي

جيش يتطور بعقل بارد وسياسة خارجية تحاول تجنب نار الصدام المباشر

ورؤية تدرك أن ما يحاك للمنطقة أكبر من حدود أي دولة فعلى صفيح الشرق الأوسط الساخن تكتب فصول جديدة من التاريخ

وفي قلب هذا المشهد تقف مصر لا متفرجة ولا مغامرة بل لاعبا يراهن على قوة الردع وعمق الحكمة وطول النفس. 

الشرق الأوسط على صفيح ساخن ومصر ركيزة الاستقرار فى المنطقة.
الشرق الأوسط على صفيح ساخن ومصر ركيزة الاستقرار فى المنطقة.

اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading