
الطماع صيدٌ ثمين للنصّاب
الطماع صيدٌ ثمين للنصّاب ليس الطمع مجرد رغبة في الزيادة، بل حالة من العمى الاختياري يتنازل فيها الإنسان عن عقله طوعًا مقابل وعدٍ كاذب بمكسب سريع.
وحين يسيطر الطمع، تتراجع الحكمة، ويصبح صاحبه هدفًا سهلًا، بل صيدًا ثمينًا لكل نصّاب محترف يعرف كيف يُغري ضحيته ومتى يُلقي شِباكه.
فالمحتال في الغالب لا يصنع الضحية، بل يقرأ ما بداخلها. فإن رأى في عينيها لهفة الثراء السريع،
قدّم لها مشروعًا بلا مخاطر، وأرباحًا بلا جهد، وفرصًا تبدو كأنها جاءت من حيث لا يُحتسب.
وحين تُعلَّق الآمال على الوهم، ويُسلَّم المال للعاطفة لا للعقل، تكون بداية السقوط. فالعقل حين يغيب، يصبح الطريق ممهدًا أمام الخداع.
وفي الواقع المصري نماذج لا تُحصى لهذا المشهد المتكرر. فمن الناس من باع مدخرات عمره تحت وهم تجارة تدرّ أضعاف رأس المال في شهور قليلة،
ليستيقظ لاحقًا على حقيقة مُرّة جسّدها المثل الشعبي: «الطمع يقلّ ما جمع». وآخرون انساقوا خلف وعود السفر السريع
أو التعيين الفوري مقابل مبالغ تُسمى رسومًا أو إجراءات، فإذا بالأبواب موصدة، والأموال ضائعة، والحسرة ساكنة في الصدور.
ومن صور الطمع التي تتكرر أيضًا ما نشهده في بعض المسابقات والفوازير الوهمية التي تُروَّج عبر الفضائيات أو مواقع التواصل الاجتماعي،
حيث يندفع كثيرون للمشاركة أملاً في ربح سريع وسهل. يدفع البعض مبالغ متكررة عبر الرسائل أو الاتصالات، ظنًا أن الجائزة على بُعد خطوة،
بينما الحقيقة أن اللعبة في كثير من الأحيان مصممة لاستنزاف أموال المشاركين لا لمنحهم المكاسب. وهكذا يتحول الأمل البسيط إلى نزيفٍ صامت للمال، لا يستفيد منه إلا من أتقن فن الإغراء واستغلال الطمع.
ولا يختلف الأمر كثيرًا عن حكايات البحث عن الكنوز والآثار التي تُغري بعض ضعاف النفوس ممن يحلمون بالثراء المفاجئ. فينساق البعض وراء دجالين
يزعمون القدرة على معرفة أماكن الذهب المدفون أو الكنوز المخبأة، فينفقون ما يملكون على الحفر والتنقيب وشراء الوهم، ليجدوا أنفسهم في النهاية أمام خسائر فادحة،
بينما يختفي الدجال أو النصّاب وقد جمع المال وترك وراءه حسرة وندمًا. إنها دائرة يتكرر فيها المشهد ذاته: طمعٌ يُعمي البصيرة، ونصّابٌ يعرف كيف يستغل تلك اللحظة.
والمفارقة أن النصّاب في كثير من الأحيان لا يحتاج إلى ذكاء خارق، فكل ما يريده ضحية مستعجلة لا تسأل، ولا تُراجع، ولا تُصدق إلا ما يوافق رغبتها في الربح السريع.
ولذلك صدق المثل الشعبي حين قال: «من طمع هلك». فالهلاك هنا لا يعني الفقر فقط، بل فقدان الثقة، وضياع الأمان، وانكسار النفس.
وعلى الجانب الآخر، تقف القناعة كخط دفاع أول يحمي الإنسان من الوقوع في شراك الخداع. والقناعة لا تعني الرضا بالجمود أو رفض الطموح،
بل تعني الاتزان وفهم أن لكل مكسب ثمنًا، ولكل نجاح طريقًا لا يُختصر بالحيل. القناعة تزرع في النفس سؤالًا بسيطًا يعجز النصّاب عن مواجهته: كيف؟ ولماذا؟ وهل الأمر منطقي؟
فالقانع يدرك أن «القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود»، وأن المال الذي يأتي بسهولة قد يذهب بسهولة، وأن الفرص الحقيقية
لا تحتاج إلى ضغط أو عجلة أو أسرار غامضة. لذلك لا يجد النصّاب في القانع فريسة، بل جدارًا صلبًا يُحبط محاولاته.
وخلاصة القول أن النصّاب لا يعيش إلا في بيئة الطمع، ولا يزدهر إلا حين يغيب صوت العقل. أما القناعة
فليست مجرد فضيلة أخلاقية، بل وعيٌ يحمي الإنسان من نفسه أولًا ومن الآخرين ثانيًا. فمن أراد النجاة، فليجعل القناعة ميزانه،
وليدرك أن الطمع لم يبنِ مجدًا يومًا، بل كان في كثير من الأحيان المعول الذي يهدم ما بُني بالصبر والجهد.
اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

