تعليممقالات ووجهات نظر
بين عشوائية القيادة و”الحضور الصوري”: هل تحول التعليم إلى جثة تبحث عن روح؟
بقلم .. أحمد المطعني

بين عشوائية القيادة و”الحضور الصوري”: هل تحول التعليم إلى جثة تبحث عن روح؟
في الوقت الذي تصدح فيه الشعارات الرنانة حول “التحول الرقمي” و”ثورة التطوير”، يصطدم المتابع للواقع الميداني بمرارة لا يمكن تجميلها بمساحيق التقارير المكتبية.
نحن اليوم لا نواجه مجرد أزمة “أماكن” أو صراعاً تقليدياً بين المدرسة و”السنتر”، بل نحن أمام حالة من “السكتة التعليمية”؛ الأزمة الناتجة عن خلل عضوي في الرأس (القيادة) وغياب تام للأطراف (الطلاب).
الحضور الصوري.. أجساد بلا أرواح
المشهد داخل مدارسنا بات يجسد حالة من “العدمية”. فالطالب الذي يحضر مجبراً، لا يرى في المنهج صلة بمستقبله أو بسوق العمل الذي بات يتطلب مهارات تقنية وإبداعية تتجاوز بمراحل تلك “النصوص الجافة”.
هنا يتحول الحضور إلى “رقم” في كشف الغياب فقط؛ لأن التعليم الحقيقي لا يقوم على رص الأجساد فوق المقاعد، بل على التفاعل والفضول ، وإذا غاب الشغف، تحولت المدرسة من منارة للعلم إلى مجرد “ساحة انتظار” لانتهاء اليوم الدراسي.
وهم “السناتر”.. مسكنات في منظومة مريضة
لقد توغلت “السناتر” كبديل مشوه يعتمد على “تعلب” المعلومة وتسطيحها، مما قتل لدى الطالب القدرة على التفكير النقدي. والحقيقة الصادمة هي أن محاربة هذه المراكز بقرارات إدارية دون إصلاح “الأصل” داخل المدرسة لن يؤدي إلا إلى “تيه شامل”.
الطالب الآن يفتقد “الكتالوج” الذي يربط ذكاءه الفطري بالمنظومة الرسمية، وبدون هذا الرابط، تظل أرقام النجاح مجرد حبر على ورق لا تبني إنساناً ولا تصنع مستقبلاً.
أزمة القيادة.. تدوير الفشل وتهميش الكفاءة
هنا نصل إلى “مربط الفرس”؛ وهي عشوائية اختيار القيادات. إن أخطر ما يواجهنا هو غياب المعايير العلمية، حيث يتقدم “الولاء” و”الأقدمية” على الكفاءة والابتكار. نحن أمام قيادات “صدفة” تتقن فن تجميل الواقع في التقارير المرفوعة للجهات العليا، بينما الحقيقة على الأرض تنطق بالخراب.
والأدهى من ذلك هو لغز “تدوير القيادات”؛ حيث يتم نقل المسؤول من مكانه ليس لمكافأته على إنجاز، بل كنوع من “الهروب للأمام” بعد فشله في إدارة ملفاته، ليتم إعادة إنتاج الفشل نفسه في قالب جديد، في تكريس واضح لغياب مبدأ الثواب والعقاب.
المخلصون في الظل.. و”الصفحات الصفراء” تتسيد المشهد
وفي هذا المناخ الضبابي، يبرز سؤال جوهري: لماذا يتم تهميش الكفاءات المخلصة؟
الواقع يشير بأن أصحاب الرؤى الحقيقية باتوا “منبوذين” لأنهم لا يتقنون فن “الشو الإعلامي” ، وفي المقابل، نجد قيادات متمسكة بالكراسي، تستغل “الصفحات الصفراء” ومنصات التواصل لتلميع صورها الباهتة وتغييب الحقائق. هؤلاء استبدلوا العمل الميداني بصناعة “البروباجندا” الزائفة، واتخذوا من تلك المنصات دروعاً لحماية مناصبهم، مما دفع الكفاءات الحقيقية للانزواء، تاركين الساحة لمن يتقن “تأدية الواجب” لا صناعة الأثر.
الفجوة القاتلة
إن المنظومة الحالية تعيش انفصالاً حاداً بين ثلاثة أضلاع:
المنهج: نظريات جافة تخاطب الذاكرة لا الفهم.
سوق العمل: وحش تقني يحتاج لإبداع غير متوفر في الخريجين.
الإدارة: قيادات منشغلة باستيفاء الأوراق الرسمية وإرضاء “السوشيال ميديا”.
إن إصلاح التعليم لن يبدأ بترميم الجدران، بل بـ “تطهير آلية اختيار القيادات”.
نحن بحاجة إلى ثورة إدارية تضع “الرجل المناسب في المكان المناسب” بناءً على مؤشرات أداء حقيقية (KPIs)، وليس بناءً على قوة “صفحات التلميع”.
وبدون دماء جديدة تمتلك الشجاعة للتغيير، سيظل حضور الطلاب “تحصيل حاصل”، ولن يرحم التاريخ من أداروا عقول أطفالنا بعقلية “الموظف” المذعور على كرسيه.
بين عشوائية القيادة و”الحضور الصوري”: هل تحول التعليم إلى جثة تبحث عن روح؟
اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




