
حين يصبح الصبر سلاحًا مصريًا ،، يتراجع التاريخ احترامًا
كتب / محمد الزناتي
ليست كل الانتصارات أرقامًا تُسجَّل في دفاتر البطولات، بعضُها يُكتب بالحبر الثقيل في ذاكرة القارة، وما فعلته مصر أمام كوت ديفوار لم يكن فوزًا في مباراة، بل إعلانًا جديدًا أن لهذا القميص قانونًا خاصًا لا يخضع للحسابات.
مصر لم تدخل اللقاء لتُجاري الخصم، دخلت لتقوده حيث تريد. تركت له المظهر، واحتفظت بالجوهر. أعطته الكرة، وسحبت منه المعنى. بدا الاستحواذ في يد الأفيال ضجيجًا بلا نغمة، بينما كانت لمسة مصرية واحدة كفيلة بأن تُربك، وتُنذر، وتقول: نحن هنا.
في ليلة الأمس لا تنتصر العضلات، بل تنتصر العقول. لا تحسم السرعات، بل تُحسم المباريات بمن يعرف متى يصبر، ومتى يطعن، ومتى يحوّل الدقيقة الأخيرة إلى شهادة ميلاد لفجر جديد. المنتخب المصري لعب وكأنه يعرف النهاية … وكأنه رأى الكأس قبل أن تراه العيون .
ثم جاءت اللحظات العصيبة حيث تختبر البطولات معدن الرجال. هناك، ظهر الفارق الحقيقي. هدوء لا يُشترى، تركيز لا يهتز، ثقة لا تحتاج إلى صراخ. لاعبو مصر لم يركضوا خلف الزمن، بل جعلوه يمشي على إيقاعهم، لأن من تعوّد الوقوف على القمم، لا يخاف من الرياح.
قد تمتلك كوت ديفوار نجومًا تُلمعها أوروبا، لكن مصر تمتلك ما لا يُدرَّس في الأكاديميات: ذاكرة الانتصار، وشهية الذهب، وقميصًا حين يُرتدى، يذكّرك أن من مرّوا قبلك لم يتركوا المجد صدفة.
هذا المنتخب لا يلعب باسم الجيل، بل باسم الإرث. لا يطلب الإذن من التاريخ، بل يوقّع عليه باسمه. كل تدخل كان وعدًا، كل صرخة تشجيع كانت عهدًا، وكل خطوة كانت تقول للقارة بأكملها: الطريق إلى اللقب… لا بد أن يمر من هنا.
مصر لا تبحث عن البطولة، مصر تعود إلى مكانها الطبيعي.
والفراعنة حين يحضرون … تنحني المنافسة احترامًا.
مبروك لمصر، مبروك لأمة تعرف كيف تحب منتخبها، وكيف تؤمن به حتى آخر نبضة.
والقادم بأمر الله… موعد مع المجد .
حين يصبح الصبر سلاحًا مصريًا ،، يتراجع التاريخ احترامًا
اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



