نحو “جمهورية صحية” موحدة: رؤية لدمج المستشفيات وتحويل المدن إلى مجمعات طبية متكاملة
نحو “جمهورية صحية” موحدة: رؤية لدمج المستشفيات وتحويل المدن إلى مجمعات طبية متكاملة
بقلم: احمد المطعني
في ظل التحديات المتزايدة التي يواجهها القطاع الصحي، وتشتت الموارد بين مستشفيات جامعية، وتعليمية، ومركزية، وتأمين صحي، تبرز حاجة ملحة لإعادة صياغة فلسفة الإدارة الصحية. إن الحل لم يعد في بناء جدران جديدة، بل في هدم الحواجز الإدارية بين المنشآت القائمة، لدمجها تحت راية واحدة تضمن “الكفاءة القصوى” و”الخدمة الأرقى” للمواطن المصري.
1. الإدارة الموحدة: إنهاء زمن “الجزر المنعزلة”
المقترح يبدأ بدمج كافة المستشفيات داخل المحافظة الواحدة تحت مجلس إدارة طبي موحد. هذا المجلس لا يلغي تبعية الملكية، بل يوحد “آلية التشغيل”. الهدف هو التنسيق اللحظي بين كافة الوحدات، بحيث يتحول المريض من “رقم” يبحث عن سرير، إلى “حالة” يتم توجيهها آلياً للمكان الأنسب لها داخل الشبكة الموحدة.
2. الحرم الجامعي المفتوح: الأستاذ كقائد للمنظومة
بدلاً من انغلاق أساتذة الجامعات داخل أسوار المستشفيات الجامعية فقط، يقترح المقترح الاستفادة من خبراتهم للإشراف الفني على كافة مستشفيات المدينة. هذا التعاون سيخلق طفرة في جودة الخدمة، مقابل حوافز تعليمية كبرى للأطباء في المستشفيات الأخرى، تشمل:
* أولوية التسجيل للدراسات العليا (ماجستير ودكتوراه) داخل جامعات محافظتهم.
* نقل التكنولوجيا والخبرة من الأطقم الجامعية إلى أطقم الصحة العامة والمركزية عبر الاحتكاك المباشر.
3. التخصص الدقيق: مستشفيات “النوع الواحد”
أكبر عوائق الكفاءة هو تكرار كافة التخصصات في كل مستشفى وبإمكانيات متوسطة. الرؤية الجديدة تقترح “تخصيص الوجهة”:
* تخصيص مستشفى بالكامل لجراحات العمود الفقري.
* تخصيص مستشفى للأورام يضم أحدث الميكروسكوبات الجراحية (بدلاً من تشتيت الأجهزة في عدة أماكن).
* مركز متخصص لجراحة مخ وأعصاب الأطفال، وآخر حصري للطوارئ والحوادث.
هذا التخصص يرفع من مهارة الطواقم الطبية ويجعل المستشفى “مركز تميز” عالمي في تخصصها.
4. العناية المركزة: غرفة عمليات كبرى للمحافظة
من خلال حصر وتجميع أسرة العناية المركزة في قاعدة بيانات موحدة، يمكن تقسيمها وظيفياً:
* عنايات مركزة للحالات الباطنية الحرجة.
* عنايات مخصصة لما بعد العمليات الجراحية المعقدة.
* عنايات للأطفال وحديثي الولادة.
هذا التنسيق ينهي أزمة “البحث عن سرير” ويضمن وضع المريض في البيئة الطبية التي تناسب حالته بدقة.
5. الاستدامة المالية وذكاء المشتريات
هذا الدمج سيؤدي تلقائياً إلى ترشيد الإنفاق. لن يتم شراء جهاز رنين مغناطيسي أو ميكروسكوب جراحي لمجرد الرغبة في التحديث، بل بناءً على “خارطة الاحتياج الفعلي” للمدينة. إذا توفر الجهاز في مستشفى (أ)، يتم توجيه الموارد لدعم مستشفى (ب) بجهاز تخصصي آخر، مما يضمن تغطية كافة احتياجات المحافظة دون تكرار مهدر للمال العام.
الخاتمة
إن دمج المستشفيات ليس مجرد إجراء إداري، بل هو عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمواطن والطبيب. هو نظام يستبدل المنافسة الإدارية بالتعاون المهني، ويضمن أن كل قرش يُنفق وكل ساعة عمل للطبيب تصب في مصلحة المريض أولاً وأخيراً. إنها دعوة لتحويل مدننا إلى “مجمعات طبية كبرى” تليق بمستقبل مصر الصحي.
نحو “جمهورية صحية” موحدة: رؤية لدمج المستشفيات وتحويل المدن إلى مجمعات طبية متكاملة
اكتشاف المزيد من جريدة المساء العربي
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



